شطرنج المصالح في مضيق هرمز: من المستفيد من "فتنة" السفينة الكورية؟
في التحليل السياسي، القاعدة الذهبية دائماً هي "ابحث عن المستفيد". وبينما تتجه الأنظار محلياً نحو مستجدات الأوضاع في آسيا لفهم تداعيات الهجوم على سفينة الشحن الكورية، تبرز فرضية "الطرف الثالث" كاحتمال قوي لا يمكن تجاهله. فإيقاع شرخ في العلاقة بين سيول وطهران في هذا التوقيت الحساس قد يخدم أجندات دولية تسعى لجر كوريا الجنوبية قسراً إلى التحالف العسكري البحري.
فرضية الفتنة: هل هي عملية "راية مزيفة"؟
عند التدقيق في تفاصيل الهجوم على السفينة "إتش إم إم نامو"، نجد أن استخدام طائرات مجهولة الهوية وتنفيذ ضربات دقيقة لا تؤدي لغرق السفينة بل لتعطيلها، هي بصمة نموذجية لجهات تريد تصعيد التوتر دون الوصول لحرب شاملة. هناك عدة أطراف قد يكون لها مصلحة في "توريط" إيران وإحراج كوريا الجنوبية:
-
قوى دولية تضغط على سيول: ترغب بعض الأطراف في إنهاء حالة "التردد" الكوري الجنوبي وجذبها للمشاركة العسكرية الكاملة، ولا يوجد محفز أقوى من تعرض مصالحها القومية لهجوم مباشر يُنسب لخصم مفترض.
-
جماعات مسلحة غير نظامية: قد تسعى أطراف غير دولية لخلط الأوراق وإفشال أي محاولات تهدئة تقودها الصين أو باكستان، خاصة وأن أبرز أخبار إيران مؤخراً كانت تشير إلى رغبة في التفاوض لتخفيف العقوبات، وهو ما لا يروق للمتشددين من كافة الأطراف.
صراع الإرادات: سيول بين التحقيق والرد
التصريح الكوري الجنوبي بأن الرد لن يتم إلا "بعد اكتمال التحقيق" هو تصريح شديد الذكاء. فالحكومة في سيول تدرك أن التسرع في اتهام طهران قد يكون "فخاً" نُصب لها لقطع شعرة معاوية مع منطقة تمثل شريان حياتها النفطي.
الوزير آن جيو باك، بحديثه عن "المساهمة التدريجية" و"الدعم السياسي"، يحاول امتصاص الضغط الأمريكي الذي يطالب برد فعل حازم، وفي الوقت نفسه يترك الباب موارباً أمام النتائج التي قد تثبت أن الهجوم جاء من جهة تهدف لإشعال الفتنة في المضيق.
الدور الصيني والباكستاني: البحث عن "صمام أمان"
تحرك بكين السريع لدفع باكستان نحو الوساطة يعكس قلقاً صينياً من نجاح "طرف ما" في تفجير المنطقة. بالنسبة للصين، استقرار الملاحة في هرمز هو مصلحة اقتصادية عليا، وأي مواجهة بين كوريا وإيران ستؤدي لتعقيد المشهد في القارة الآسيوية برمتها.
لذا، فإن الوساطة الباكستانية لا تستهدف فقط جسر الهوة بين واشنطن وطهران، بل تهدف أيضاً لتهدئة المخاوف الكورية الجنوبية وتقديم ضمانات بأن مسارات التجارة لن تكون ضحية لصراعات بالوكالة أو عمليات تخريبية مجهولة المصدر.
تايوان وهرمز: هل هي عملية إشغال؟
في السياسة الدولية، غالباً ما يتم تحريك جبهة لتخفيف الضغط عن أخرى. فبينما يشتد الصراع الكلامي حول مبيعات الأسلحة الأمريكية لتايوان، قد يجد البعض في أزمة مضيق هرمز وسيلة مثالية لإشغال الإدارة الأمريكية وحلفائها الآسيويين بملف أمني بعيد، مما يمنح أطرافاً أخرى مساحة أكبر للمناورة في شرق آسيا.
ترمب من جانبه، يحاول استثمار الهجوم لتعزيز روايته حول "التهديدات العالمية"، لكن حذر سيول في توجيه الاتهامات يفرمل هذا الاندفاع، ويفتح المجال أمام سيناريو "الطرف الثالث الذي يسعى لتوريط الجميع في حرب لا مصلحة لهم فيها".
في النهاية
إن الهجوم على السفينة الكورية الجنوبية قد لا يكون "فعلاً" بقدر ما هو "فخ" جيوسياسي. وفي منطقة تعج بالمصالح المتضاربة مثل مضيق هرمز، يصبح التريث في توجيه أصابع الاتهام هو السلوك الأكثر حكمة. كوريا الجنوبية، بانتظارها نتائج التحقيق النهائية، ترفض أن تكون وقوداً لفتنة قد تُشعل المنطقة، وتصر على أن مساهمتها في الأمن ستبقى محكومة بالعقل لا بالانفعال، وبما يحمي مصالحها القومية بعيداً عن صراعات المحاور.












0 تعليق