بالبلدي: الخليج ودبلوماسية احتواء الأزمات

جريدة عكاظ 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
whatsapp

تابع قناة عكاظ على الواتساب

الأحداث المتسارعة، التي تشهدها منطقة الخليج العربي، والتطورات الخطيرة، وتداعياتها التي مست مباشرة أمن دول المنطقة وسيادتها، ألقت بظلالها على استقرار هذه المنطقة الحيوية، وما تمثله من أهمية أساسية للاقتصاد العالمي.

هذه التوترات العاصفة والأزمات المتلاحقة تكشف عن محاولات ممنهجة تستهدف بنية النظام الإقليمي القائم، عبر توسيع دائرة الفوضى من خلال الهجمات المستمرة وحروب الوكالة التي تشنّها المليشيات المدعومة من إيران، والتي طالت منشآت حيوية ومدنية ونفطية في عدد من دول المجلس. كما أنّ استمرار طهران في توظيف أذرعها الإقليمية لاستهداف مقدّرات دول المنطقة ومكتسباتها التنموية يشكّل تهديداً مباشراً للتعايش السلمي والأمن الإقليمي والتجارة الدولية.

ورغم هذه المحاولات الجسيمة، أثبتت دول مجلس التعاون جاهزية عالية من خلال منظومات دفاعية متطورة قادرة على التصدي للهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة وإحباطها مراراً. وقد تجلى ذلك بشكل واضح لا لبس فيه في الرد السعودي الحاسم والمشروع على الاعتداءات التي تعرّضت لها المملكة إعمالاً لحق الدفاع عن النفس، وفقاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.

ومع اشتداد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، أدارت دول الخليج الأزمة بعقلانية واتزان وحكمة، من خلال تبني موقف واضح يرفض الانخراط في الصراع، أو السماح باستخدام أراضيها أو أجوائها في أي عمليات عسكرية يمكن أن تؤدي لتوسيع دائرة الحرب.

ولم يقتصر هذا الموقف على تجنّب الانخراط في المواجهة، بل امتد إلى تحرك دبلوماسي نشط سعى لاحتواء التصعيد، وطرح المبادرات الرامية إلى نزع فتيل الأزمة، وتهيئة بيئة إقليمية أكثر أمناً واستقراراً، وهو ما يعكس رؤية إستراتيجية مفادها بأنّ الأمن الجماعي لا يتحقق عبر الاصطفافات العسكرية، وإنما بالحوار، واحترام سيادة الدول، وتغليب المصالح المشتركة.

ويجسّد هذا النهج الحكيم إدراكاً عميقاً لمخاطر الانزلاق إلى صراعات مفتوحة، كما يعكس نضجاً سياسياً في إدارة الأزمات، ويؤكد أنّ دول الخليج اختارت أن تكون جزءاً من جهود الاستقرار، لا طرفاً في إشعال النزاعات، أو توسيع نطاقها.

إنّ استمرار السياسات الإيرانية القائمة على التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وتوظيف الجماعات المسلحة كأدوات للضغط السياسي والعسكري، يعري النوايا المضمرة لزعزعة الاستقرار، وهو نهج يعمق التوتر، ولا يخدم بناء الثقة.

لقد أثبتت التجارب التاريخية أنّ مصدر التهديد لأمن المنطقة ينبعث من داخل الإقليم، لا من خارجه، مما يجعل مستقبل المنطقة مرهوناً بقدرة دولها على تعزيز التعاون والتنسيق، وصياغة رؤية أمنية مشتركة، وتبني مسارات واتجاهات أكثر حكمة ومسؤولية، للتعاطي مع الأزمة القائمة والأحداث الحالية ومستجداتها، بعيداً عن السياسات العدوانية، والتذاكي المفرط، ومحاولة الاستئثار والهيمنة، إذ إنّ هذه الممارسات تعمق أسباب عدم الاستقرار، وتغذي التوتر في المنطقة.

وفي الوقت نفسه، يبقى احترام سيادة كل دولة وحقها في اتخاذ قراراتها الوطنية مبدأً راسخاً لا خلاف عليه، شريطة ألا تتحوّل الترتيبات الثنائية أو الجانبية إلى عبء على أمن دول المنطقة.

وفي ضوء هذه الوقائع، فإنّ أي مساعٍ لبناء الثقة مع إيران ستظل محدودة الأثر ما لم تقترن بتغيير حقيقي في السلوك السياسي، والتخلي عن سياسات حروب الوكالة، واحترام قواعد حُسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهي المبادئ التي تمثل الأساس لأي نظام إقليمي مستقر وقادر على مواجهة تحديات المستقبل.

ينبغي على إيران، فضلاً عن ذلك، الخروج من هذه السياسات العبثية، والتوقف عن دعم الميليشيات، والكف عن التدخل في الشؤون الداخلية لدول الجوار، والابتعاد عن سياسة اللعب بالنار وإثارة العواصف السياسية الدولية، وعدم اتخاذ أي ممارسات طائشة تهدد الملاحة الدولية، وتسعى إلى بسط النفوذ على الممرات الإستراتيجية البحرية.

إنّ موضوع الملاحة الدولية في مضيق هرمز تحكمه الاتفاقات الدولية، ويمس في الصميم أمن المنطقة واستقراها، وبالتالي على إيران أن تكون دولة طبيعية، أسوة ببقية الدول الأعضاء في الأسرة الدولية، وعليها أيضاً الامتثال لمقتضيات الأعراف الدبلوماسية والدولية التي تحكم العلاقات الدولية.

متابعة التفاعلات الدولية للأزمة القائمة تشير إلى أنّ مصدر القرارات في طهران تقوم به حفنة من المتشدّدين، هؤلاء هم رهائن لتصوراتهم وقناعاتهم وأهوائهم الشخصية ومعتقداتهم التي تؤثر على توجهاتهم وقراءاتهم للأحداث وتقييماتهم السياسية والإستراتيجية الخاطئة دائماً، وهو ما يعرّض المنطقة إلى ما لا تحمد عقباه.

السلام الحقيقي لا يُبنى على الخطابات أو المناورات الدبلوماسية، بل على سياسات عملية تعزز الثقة المتبادلة، وتحترم سيادة الدول، وتنبذ استخدام القوة أو التهديد بها. فإذا اختارت إيران هذا المسار والالتزام بالمعايير الدولية، فإنّ دول الخليج ترحب بذلك، لأنها تبنت سياسة واضحة من حيث إبعاد المنطقة عن أي صراعات إقليمية أو دولية، وأبدت استعدادها لبناء علاقات قائمة على مبادئ حسن الجوار، والاحترام المتبادل، وحفظ المصالح المشتركة، وهي أسس تسهم في خلق بيئة توفر الثقة، وترعى النيات الصادقة، وتفتح صفحة جديدة في العلاقات، وترسّخ استتباب الأمن والاستقرار، والتوجه نحو التنمية المستدامة في المنطقة.

أما إذا استمرت إيران في نهج التصعيد والتهديد وتغذية الصراعات، وتقوية نفوذها عبر افتعال الأزمات، وتفريخ المليشيات، وتوظيف التوترات في دول المنطقة، فستجد نفسها أكثر عزلة، وأبعد عن لعب أي دور إيجابي في صناعة أمن المنطقة واستقرارها.

إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"

المصدر :" جريدة عكاظ "

أخبار ذات صلة

0 تعليق

محطة التقنية مصر التقنية دليل بالبلدي حظك اليوم توقعات الابراج 2026 اضف موقعك
إعلان متجاوب
يارب أتجوز خدها ببساطة وسيبها على الله المهم إنت متقصرش شكلنا هنقلبها منتدى بكمية الإعلانات دي فاكر أيام زمان ياصاحبي اضف موقعك
  • adblock تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ??

أضف موقعك الآن عندنا غير
حط موقعك هنا وإنت الكسبان اضف موقعك
«اللَّهُمَّ اكْفِنِي بحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ». أي حد من قنا أو قوص هيعمل إعلان هنا ليه خصم اضف موقعك
إعلان مُقترح
إعلان مُقترح