تابع قناة عكاظ على الواتساب
في سباق جذب الاستثمار، لا تتنافس الدول اليوم على الإعفاءات الضريبية أو الحوافز المالية فحسب، بل على تكلفة ممارسة الأعمال بكامل عناصرها. ويظل عنصر تكلفة العامل أحد أكثر العوامل تأثيراً في قرارات المستثمرين، ليس من زاوية الأجر وحده، بل من زاوية ما يتحمله صاحب العمل من رسوم والتزامات نظامية لا ترتبط مباشرة بالإنتاجية. ومن هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى مراجعة شاملة لهيكل تكلفة العامل في المملكة، تقودها وزارة الاقتصاد والتخطيط ووزارة الاستثمار بالشراكة مع الجهات المعنية، ليس بهدف تخفيض الإيرادات الحكومية، وإنما لتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد السعودي في مواجهة مراكز صناعية إقليمية. لقد حققت المملكة خلال السنوات الماضية إنجازات استثنائية في بناء البنية التحتية، تطوير البيئة التشريعية وتحسين الخدمات اللوجستية، حتى أصبحت تمتلك واحدة من أكثر البيئات الاستثمارية استقراراً في المنطقة. كما أن نعمة الأمن والأمان، في وقت يشهد الخليج والعالم اضطرابات جيوسياسية غير مسبوقة، والموقع الجغرافي الذي يربط بين الشرق والغرب، يمثلان ميزتين إستراتيجيتين يصعب على كثير من الدول منافستهما. غير أن المستثمر الصناعي لا ينظر إلى هذه العوامل بمعزل عن تكلفة التشغيل طويلة الأجل، وفي مقدمتها تكلفة العامل. فالاستثمار الصناعي يختلف جذرياً عن الاستثمار في قطاع الخدمات. فالمصنع يبدأ باستثمار ضخم في الأراضي والمباني والآلات وخطوط الإنتاج، ويُبنى على أفق يمتد لعقود، وليس لسنوات قليلة. لذلك فإن أي زيادة دائمة في تكلفة التشغيل تصبح جزءاً من معادلة العائد على الاستثمار طوال عمر المشروع. أما قطاع الخدمات، فرأس ماله أقل، وقدرته على تعديل نموذج أعماله أو الانتقال بين الأسواق أعلى، وهو ما يجعل المقارنة بين القطاعين عند تصميم السياسات التنظيمية أمراً يحتاج إلى قدر أكبر من التخصيص. وفي معظم الاقتصادات المنافسة، تُحتسب التكاليف غير الأجرية كنسبة من الراتب، بحيث ترتفع وتنخفض مع مستوى الدخل. أما في السعودية، فقد بُني جزء من الرسوم تاريخياً على مبالغ ثابتة لكل عامل، بغض النظر عن أجره. والنتيجة، أن العامل منخفض الأجر يتحمل... اقتصادياً.. تكلفة نسبية أعلى بكثير من العامل مرتفع الأجر. وهذا يخلق أثراً تنازلياً على القطاعات كثيفة العمالة، وفي مقدمتها الصناعة، والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، وهي القطاعات التي تُعد تاريخياً أكبر مولد للوظائف الجديدة وأكثرها استدامة. ومن هنا يبرز سؤال اقتصادي مشروع.. ماذا لو كانت هذه الرسوم مرتبطة بنسبة من الأجر بدلاً من كونها مبالغ مقطوعة؟ عندها ستصبح تكلفة التوظيف أكثر اتساقاً مع قدرة المنشأة على الدفع، وأكثر عدالة بين الوظائف المختلفة، كما ستخف الضغوط على الوظائف التي لا يقبل عليها المواطن أصلاً، دون أن تتراجع أهداف التوطين. ولا يقتصر الأمر على تكلفة العامل، بل يمتد إلى مراجعة أدوات سوق العمل نفسها، وفي مقدمتها نظام نطاقات. فقد طُوِّر هذا النظام قبل أكثر من عشر سنوات، في مرحلة كانت فيها بنية الاقتصاد وأولوياته مختلفة عما هي عليه اليوم. واليوم، وبعد إطلاق رؤية 2030، وظهور قطاعات اقتصادية جديدة، وتغير طبيعة الاستثمار العالمي، تبدو الحاجة قائمة لمراجعة الفكرة وآليات القياس، وليس الهدف الإستراتيجي للتوطين. فقد يكون من المناسب الانتقال تدريجياً من قياس يعتمد بصورة رئيسية على نسب التوطين الموحدة، إلى نموذج يأخذ في الاعتبار حجم الاستثمار، القيمة المضافة، الإنتاجية وعدد الوظائف المستدامة التي يخلقها المشروع. فالمصنع الذي يستثمر الملايين في أصول إنتاجية ويخلق وظائف مستقرة لعقود، لا يمكن تقييمه بالمعايير نفسها التي تُطبق على منشأة خدمية صغيرة تختلف تماماً في نموذج أعمالها. كما أن من المفيد دراسة أثر بعض الالتزامات الإضافية على تنافسية القطاع الصناعي، ومنها تكلفة التأمين الصحي، وإمكانية إعادة تصميم العلاقة بينها وبين الاشتراك في التأمينات الاجتماعيّة للعامل غير السعودي، بما يحافظ على جودة التغطية الصحية ويخفف في الوقت ذاته من تكلفة الإنتاج كمثل. فهذه المراجعات ليست تنازلاً عن حقوق العامل، بل جزء من تحسين كفاءة بيئة الأعمال. ومن الإنصاف الإشارة إلى القرار الحكيم بإلغاء المقابل المالي السنوي على رخص العمل للقطاع الصناعي، وهو قرار يعكس إدراكاً لأهمية هذا القطاع في تحقيق مستهدفات التنويع الاقتصادي. إلا أن هذه الخطوة يمكن أن تكون بداية لمراجعة أوسع لبقية عناصر تكلفة العامل، بما يحقق التوازن بين أهداف التوطين وتعزيز القدرة التنافسية للصناعة الوطنية. كما يجدر النظر إلى التجارب الإقليمية. المستثمر يقارن بين التكلفة الكلية للتشغيل عند اتخاذ قراره الاستثماري. وفي النهاية، فإن نجاح سياسات التوطين لا يُقاس فقط بعدد الوظائف التي تُخلق اليوم، بل أيضاً بعدد المصانع التي تُبنى اليوم وتستمر في التوسع بعد عشرين وثلاثين عاماً. فالاستثمار الصناعي هو استثمار في وظائف دائمة، في نقل التقنية، بناء سلاسل إمداد وطنية وفي رفع المحتوى المحلي. إن مراجعة تكلفة العامل، تحديث أدوات التوطين وإعادة تقييم نظام نطاقات بعد أكثر من عقد على إطلاقه، لا تمثل تراجعاً عن الأهداف الوطنية، بل تعكس نضجاً في صناعة السياسات الاقتصادية. فالسياسات الناجحة هي تلك التي تتطور مع تغير الواقع، وتحافظ على غاياتها مع تحديث وسائلها. وإذا كانت المملكة قد نجحت في بناء بيئة آمنة، مستقرة ومتصلة بالعالم... فإن الخطوة التالية هي ضمان أن تكون أيضاً الأكثر تنافسية في تكلفة الإنتاج، لأن الاستثمار الذي يأتي اليوم هو الذي يصنع وظائف الغد ويؤسس لاقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" جريدة عكاظ "

