# من أول السطر
»» الرابح دائما من يروي قصة أصدق وأوضح وأكثر إقناعاً، ولكن !!
»» في عالم الحقائق المجردة ..من يملك القلم الذي يكتب التفسير، يملك القرار
“من يملك السردية..يملك التأثير”، هي مقولة لا تقبل الجدل أو التشكيك في عالم متغير سريع التقلبات،يحاك بحنكة عصرية وتقنيات رقمية لا حدود لها..
فمن يملك صياغة السردية… يملك التأثير. ووفقا للعقل والمنطق ومتطلبات القانون الإنساني فإن الغلبة والاقناع والتأثير الإيجابي يأتي دائما كثمرة للسردية الحقيقية التي توصف الواقع بدون تهوين أو تهويل ،وتنقل الصورة والحدث بدقة وصدق وشفافية.
ولكن مع تزايد الرسائل الموجهة عبر روافد ومنصات الإعلام “البديل” ،أو الإعلام “الموازي” وتعدد وسائل الأسلحة الرقمية، ومؤثراتها التقنية والصوتية ،وتسخير “الخوارزميات” المتميزة في بعض الأحيان ليس مهما أن تكون السردية حقيقية وواقعية ،فربما تكون مزيفة أو محرفة أو تم اجتزاؤها لحاجة في نفس يعقوب،لكنها تجد الطريق أحيانا إلي المتلقين بعد تهيئة نفسية ووجدانية،ومن ثم الانتشار والتأثير!.
وسواء أكان التأثير المستهدف إيجابيا أو سلبيا فمن يصوغ الصورة… يرسم الحضور في وعي العالم، وملامح المستقبل معا ،فمن يملك صياغة السردية يمتلك القدرة على توجيه الوعي، وصناعة القناعات، والنزاعات والفقاعات وغرس أتون الفتنة والنزاعات بل ودوامة الأزمات وتوجيه الرأي العام؛ إذ تحولت الصراعات المعاصرة من التنازع المباشر على الوقائع المجردة إلى التنازع حول تفسيرها وحبك معانيها.
إن قوة السردية في التأثير وصياغة المعنى، لا تنقل الحدث فحسب، بل ترتبه داخل حبكة تجعل الأحداث المتناثرة مفهومة وذات دلالة.
وتسهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في توجيه الرأي العام، وخلق التوجهات وربما تعديل السلوك والاتجاهات.
وكما يري المختصون فإن القدرة على توجيه السردية تمنح “النفوذ” والقدرة على حشد “التأييد” أو التعاطف محلياً وعالمياً.
ومع تزايد التحديات والنكبات والمؤامرات تبرز أهمية ان يضطلع الإعلام بدوره التربوي في بناء الهوية وتعزيز السرديات الوطنية أو المؤسسية التي تعزز الثقة الداخلية وتحمي الصورة الذهنية للدولة في الداخل والخارج.
وفي عالم اليوم لم تعد المعارك تُحسم بالسلاح وحده، ولا تقاس قوة الأمم بعدد المصانع أو حجم الاقتصاد فقط،فقد انتقل ميزان القوى إلى ساحة جديدة وأخطر، هي ساحة “السردية”. فمن يملك القدرة على رواية القصة، وصياغة الأحداث، وتفسير الواقع، هو من يملك عقول الناس، ومن يملك العقول يملك التأثير!.
(السردية سلاح العصر)
السردية ليست مجرد خبر أو معلومة،بل هي إطار متكامل لتفسير الأحداث، وهي القصة التي نرويها لأنفسنا وللعالم عن “من نحن، ولماذا يحدث ما يحدث، وإلى أين نحن ذاهبون”.
فالحادثة الواحدة يمكن أن تُروى بعشر سرديات مختلفة. قصف مبنى قد يُروى على أنه “عملية استهداف إرهابيين” في سردية، وعلى أنه “مجزرة ضد المدنيين” في سردية أخرى.
والمعلومة ثابتة، ان السردية هي التي تمنحها المعنى وتحدد رد فعل الجمهور.
وقد أصبحت وأمست سلاح العصر،لعدة أسباب منها:
ـ وفرة المعلومات: فحن نغرق في البيانات والعقل البشري لا يستطيع معالجة كل الأخبار. لذلك يلجأ إلى “قصة جاهزة” تبسط له الواقع وتفسره، ومن يجيد تقديم هذه القصة أولاً وبأسلوب مقنع، يكسب !..
ـ سلطة المنصات: ومن أسوأ مفرزات العصر الرقمي،فقد حولت وسائل التواصل الاجتماعي كل فرد إلى “ناشر”، لكن “الخوارزميات” ،بلا عقل يفكر اوقلب يعي ،ففي معظم لا تروج للحقيقة، بل تروج لما يحقق تفاعلاً.
والسردية العاطفية، البسيطة، ذات البطل والشرير، هي الأكثر تفاعلاً!.
ـ الحرب الناعمة: الدول والشركات والأفراد يتصارعون الآن على “الشرعية”،فلا أحد يريد أن يظهر بمظهر المعتدي، لذلك تُدار الصراعات عبر الإعلام والدراما والأفلام والمؤثرين..
ومن ينجح في تثبيت سرديته، يكسب تعاطف العالم ويُكسب خصمه صفة “المعتدي”.
أمثلة على قوة السردية
ـ في السياسة: انظر إلى كيفية تغطية الأزمات الدولية. الطرف الذي ينجح في تصدير مصطلحاته للإعلام العالمي هو الطرف الذي يحدد من هو “الضحية” ومن هو “الجلاد”.
فالكلمات نفسها سلاح: “عملية عسكرية” مقابل “عدوان”،”مستوطنون” مقابل “مستعمرون”.
“شهداء ” مقابل “قتلي” هكذا.؟!.
ـ في الاقتصاد: فالكثير من الشركات الكبرى لا تبيع منتجاً فقط، بل تبيع “سردية”.. فنجد شركة لا تبيع هواتف، بل تبيع “الابتكار والتمرد”.. وشركة أخرى لا تبيع مشروبات، بل تبيع “السعادة”. المستهلك يشتري “القصة” قبل أن يشتري السلعة، وهو ما رأينا نموذجا عمليا له في حملات الدعاية لأحد محلات بيع “الأرز بلبن”،و الآيس كريم الشهيرة والمنتجات المرتبطة بها.
ـ في المجتمع: الحركات الاجتماعية تنجح عندما تملك سردية قوية، “نحن الأغلبية الصامتة”، “نحن الجيل المظلوم”، “نحن أصحاب الحق”، هذه الجمل البسيطة قادرة على حشد الملايين.
والخطورة تكمن في انتهاز قوي مظلمة خارجية أو داخلية لنشر سرديات مضللة،قد يكون هدفها النهائي تدمير المجتمع وتقويض مقدراته والنيل من مكتسباته، وأمثلة في هذا السياق لا تعد ولا تحصى وفي دول عديدة.
(كيف تُبنى السردية المؤثرة؟)
السردية الناجحة لها ثلاثة أركان كما يراها بعض المؤثرين:
ـ بطل واضح: “نحن” الذين نُظلم أو نسعى للخير.
ـ خصم واضح: “هم” الذين يقفون في وجه الحق.
ـ هدف ومستقبل: رؤية وعد يُبشر الناس به.
واعتقد أن من يفتقد أحد هذه الأركان، تضعف سرديته ويضيع تأثيره.
والخلاصة..نحن لا نعيش في عالم الحقائق المجردة، بل في عالم “تفسير الحقائق”.. ومن يملك القلم الذي يكتب التفسير، يملك القرار.
لذلك فإن المعركة القادمة لكل أمة، ومؤسسة، وحتى لفرد، هي معركة السردية.
ليست معركة من يصرخ أعلى، بل من يروي قصة أصدق وأوضح وأكثر إقناعاً.
فاسأل نفسك دائماً: من الذي يروي لي هذه القصة؟ ولماذا يريدني أن أصدقها بهذا الشكل؟،ولماذا يصر علي عرضها في شكل ومضمون وسياق معين،
لأن من يملك السردية…يملك التأثير، وتحقيق الهدف.
وأتصور أن معركة السردية المحتدمة الآن بطلها الإعلام الإيجابي والإبداعي المنوط به المواجهة مع الإعلام البديل وفن إدارة “الوعي” وصناعة “القيمة” ،وصيانة الهوية،وهو ما يفتح الباب لحديث قادم ـ بمشيئة الله ـ حول الإعلام ومحددات معركة السردية وترك الأثر والقيمة.
# من الحكمة:
ـ لا تُرهق قلبك في مراقبة مكر الآخرين، ولا تجعل نفسك حارسًا لأفعالٍ لا تملك تغييرها، فالمكر مهما طال، يعود إلى صاحبه، وصدق الله العظيم ( ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله)..
والحق لا يحتاج منك أن تسهر عليه حتى تُهلك نفسك .. امضِ في طريقك، وانشغل بأهدافك، وابنِ حياتك بما ينفعك، فالعمر أقصر من أن نضيّعه في الترقب والشك وانتظار ما يفعله الآخرون .
ـ’اجعل طاقتك فيما خُلقت له، واجعل قلبك مطمئنًا بأن لكل إنسان ما زرع..عش رحلتك، تعلّم، أنجز، واستمتع بكل خطوة فيها، ومهما طالت الظلمة ،فالفجر آت لا محالة.. ولله الأمر من قبل ومن بعد.
#.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" almessa "

