شهدت محكمة جنايات الجيزة، خلال نظر قضية «حقنة الكلور» المعروفة إعلاميا بجريمة قتل طفلي الصف، مشهدا لافتا جمع بين أجواء المحاكمة الجنائية واللحظات الإنسانية، بعدما أعلن والد الطفلين المجني عليهما التصالح مع والدته، المتهمة الأولى في القضية، وباقي المتهمات، قبل أن يسمح رئيس المحكمة له باحتضانها داخل قاعة المحاكمة.

وجاء هذا التطور خلال جلسة محاكمة المتهمات الثلاث بمجمع محاكم سجن 15 مايو، حيث قدم دفاع المجني عليهما إقرارا رسميا يفيد بتصالح والدي الطفلين مع المتهمات، والتنازل عن الدعويين الجنائية والمدنية، إلى جانب العدول عن اتهام المتهمة الثالثة وإنكار التهمة المنسوبة إليها، وهو ما أعقبه احتضان الابن لوالدته المتهمة «وفاء»، في مشهد أثار الانتباه داخل المحكمة.
تفاصيل قضية قتل الطفلين بالكلور
وتعود وقائع القضية رقم 5822 لسنة 2026 جنايات الصف إلى اتهام ثلاث سيدات، هن «وفاء.م»، 41 سنة، ربة منزل، وشقيقتها «فاطمة»، 36 سنة، ربة منزل، وابنة الأولى «منار.م»، 22 سنة، ربة منزل، بقتل الطفلين رحمة أحمد محمد كامل وشقيقها رحيم أحمد محمد كامل، باستخدام مادة الكلور عن طريق الحقن بمحقن طبي، وفقا لما جاء بأمر الإحالة الذي تلاه ممثل النيابة العامة.
وأسندت النيابة إلى المتهمات قتل الطفلة الرضيعة رحمة عمدا مع سبق الإصرار، خلال شهر مارس لعام 2026، بدافع الانتقام من والدتها نتيجة خلافات سابقة، موضحة أنهن أعددن، بحسب الاتهامات، مخططًا لتنفيذ الجريمة، وجهزن مادة الكلور داخل محقن طبي، ثم أمسكت المتهمتان الثانية والثالثة بالطفلة لمنع حركتها وإخماد صراخها، بينما تولت المتهمة الأولى حقنها بالمادة المذكورة.
وأضاف أمر الإحالة أن المادة المستخدمة تسببت في إصابات وحروق جسيمة بالأعضاء الداخلية للطفلة، وفقا لما ورد بالأوراق الطبية وتقرير الصفة التشريحية، وانتهت تلك الإصابات بوفاتها، مع إسناد قصد إزهاق الروح إلى المتهمات.
كيف امتد الاتهام إلى قتل الطفل رحيم بعد ولادته؟
ولم تتوقف الاتهامات عند وفاة الطفلة رحمة، إذ نسبت النيابة إلى المتهمات الثلاث قتل شقيقهن رحيم، حديث الولادة، عمدا مع سبق الإصرار، بعدما اتهمتهن النيابة بالتخطيط للتخلص منه فور ولادته، انتقاما من والدته التي كانت تحمله جنينا وقت وقوع الجريمة الأولى.
أمر الإحالة
ووفقا لتفاصيل أمر الإحالة، انتظرت المتهمات ولادة الطفل لتنفيذ ما وصفته النيابة بالمخطط الإجرامي، ثم كررن الأسلوب ذاته حيث أمسكت المتهمة الثانية بالرضيع لمنع حركته، بينما تولت المتهمة الثالثة مراقبة المكان خشية اكتشاف الواقعة، في حين قامت المتهمة الأولى بحقنه بمادة الكلور باستخدام محقن طبي، ما أدى إلى إصابته بأضرار داخلية انتهت بوفاته، بحسب الاتهامات الواردة بالقضية.
تفاصيل اكتشاف الإصابات
وتضمنت أدلة الثبوت أقوال أمل شحات، والدة الطفلين، التي كشفت خلال التحقيقات عن بداية اكتشاف إصابة ابنتها رحمة، موضحة أنه خلال شهر رمضان السابق من العام الماضي، وأثناء وجودها بمسكن المتهمات، طلبن منها اصطحاب طفلتها إلى مسكنها لأداء بعض الأغراض.
وأضافت أنها سمعت صراخ ابنتها، فتوجهت إليها وشاهدت المتهمة الثانية تحملها، وعند فحص جسدها لاحظت وجود ثلاثة ثقوب بمنطقة البطن، فيما أخبرتها المتهمات أن الطفلة تعرضت للدغة ثعبان، الأمر الذي دفعها إلى التوجه بها لمركز السموم، قبل نقلها وحجزها بمستشفى أبو الريش الياباني للأطفال.
وأشارت الأم إلى أن ابنتها خضعت لعدد من العمليات الجراحية، استؤصل خلالها عدد من أعضائها الداخلية، في محاولة للتعامل مع الإصابات التي تعرضت لها.
واستكملت أمل شحات روايتها أمام النيابة، موضحة أنه خلال شهر أبريل الماضي، وأثناء وجودها بمنزلها بصحبة نجلها رحيم، حديث الولادة، طلبت منها المتهمة الأولى إحضاره إليها، فاستجابت وسلمته للمتهمتين الثانية والثالثة، وبعد مرور فترة قصيرة سمعت صراخه، وعندما توجهت إليه اكتشفت وجود ثلاثة ثقوب بمنطقة البطن، فسارعت بنقله إلى مستشفى الصف المركزي، إلا أنه فارق الحياة.
شهادة الأب

ومن جانبه، شهد أحمد محمد كامل، والد الطفلين، بوجود خلافات وسوء علاقة بين زوجته والمتهمات، موضحا أن المعلومات التي وصلت إليه بشأن ارتكاب الواقعة جاءت متفقة مع ما أدلت به زوجته خلال التحقيقات.
اعترافات المتهمتين ومقطع تهديد والدة الطفلين
وكشفت ملاحظات النيابة العامة المدرجة ضمن أدلة الثبوت عن إقرار المتهمتين الأولى والثانية، خلال استجوابهما بجلسة التحقيق المؤرخة 27 أبريل 2026، بارتكابهما الواقعة بالاشتراك مع المتهمة الثالثة، وفقا لما جاء بأقوال الشهود.
وأشارت النيابة إلى أن المتهمتين سجلتا مقاطع مرئية تضمنت روايتهما لكيفية التخطيط للواقعة وتنفيذها، والدوافع وراء ارتكابها، والهدف الذي سعتا إلى تحقيقه، مؤكدة أن ما ورد بتلك التسجيلات تطابق مع ما أقرتا به خلال التحقيقات.
كما تضمنت الأوراق واقعة أخرى مرتبطة بالمتهمة الثانية، إذ أثبتت النيابة أنها أبدت خلال استجوابها بجلسة 25 مايو 2026 رغبتها في الخروج من محبسها وقتل والدة الطفلين، انتقامًا منها لإبلاغها عن الواقعة، كما طلبت تصوير تهديدها في مقطع مرئي لعرضه على الشاهدة الأولى، وهو ما جرى تسجيله وإرفاقه بالتحقيقات.
ماذا كشفت تقارير الطب الشرعي؟
وحملت التقارير الطبية والشرعية جانبا مهمًا من أدلة القضية، إذ أثبت تقرير الصفة التشريحية الخاص بالطفل رحيم وجود ثلاثة جروح ووخزة حديثة أعلى الجانب الأيسر من البطن، تشبه آثار الوخز بالإبر، دون وجود احمرار أو تورم حولها، وبلغ قطر الإصابة الواحدة نحو 2 مليمتر.
وأوضح التقرير أنه عند فحص الأنسجة الرخوة وعضلات البطن، تبين وجود انسكابات دموية موضعية مقابل الإصابات الظاهرة، كما كشف الفحص الداخلي عن حدوث تمزق بجدار المعدة، وخروج محتوياتها إلى التجويف البطني، مع وجود نزيف داخلي.
وبحسب نتائج الفحص المعملي الكيماوي رقم 2865 لسنة 2026، الذي أجراه المعمل الكيماوي بمصلحة الطب الشرعي على العينات الحشوية المحرزة، ثبتت إيجابية العثور على أيون الكلوريد، بينما جاءت نتائج الفحص سلبية بالنسبة لباقي المواد التي شملتها التحاليل.
تقرير رحمة يكشف آثار الإصابات
أما التقرير الخاص بالطفلة رحمة، فأوضح أن مرور الوقت والتغيرات التي طرأت على الإصابات، إلى جانب عمليات العلاج والتدخلات الجراحية التي خضعت لها، أدت إلى اختفاء المعالم الأصلية للإصابات.
ورغم ذلك، أشار الفحص الطبي ومراجعة الأوراق العلاجية إلى أن الإصابات كانت في أصلها ذات طبيعة وخزية، ناجمة عن استخدام جسم أو أجسام صلبة مدببة، بما يتفق مع حدوثها نتيجة الوخز بإبرة، وفقًا لما ورد بمذكرة النيابة العامة.
وكشف الفحص التشريحي عن وجود آفة بؤرية بالكبد، واستئصال كامل للأمعاء الدقيقة والقولون، إلى جانب استئصال جزء من المعدة، ووجود دبابيس جراحية بنهاية الإثني عشر والمعدة، فضلًا عن ارتشاحات داخل التجويف البريتوني.
وذكر تقرير الطب الشرعي أن الواقعة، في مجملها، جائزة الحدوث وفق التصوير الوارد بمذكرة النيابة العامة، وفي تاريخ معاصر لما ورد بالأوراق الطبية، مرجعًا وفاة الطفلة إلى الإصابة بجدار البطن وما أحدثته من ثقب بالجدار الخلفي للمعدة، وما صاحب ذلك من ارتشاح واستسقاء بالتجويف البريتوني ومضاعفات استدعت استئصال الأمعاء الدقيقة والقولون وجزء من المعدة، قبل حدوث هبوط حاد بالدورة الدموية أدى إلى الوفاة.
وتناول التقرير كذلك الطبيعة الكيميائية لمادة الكلور، موضحا أنها مادة حارقة قد يؤدي دخولها إلى الجسم عبر الجروح المفتوحة إلى حدوث حروق داخلية وتلف بالأنسجة، فضلًا عن مضاعفات تشمل الجهاز الهضمي والتسمم والتقرحات والثقوب والالتهابات البريتونية الحادة، وقد تنتهي بالوفاة حال حدوث مضاعفات خطيرة.
وبينما حملت أوراق القضية تفاصيل اتهامات خطيرة واعترافات وتحريات وتقارير فنية تتعلق بوفاة الطفلين، جاء إعلان التصالح داخل قاعة المحكمة ليضيف تطورا جديدا إلى مسار المحاكمة، بعدما ظهر والد الطفلين في مشهد جمعه بوالدته المتهمة الأولى، وسط استمرار نظر القضية وما تتضمنه من أدلة واتهامات أمام القضاء.
اقرأ أيضاً
تصالح أسرة الصغار والمتهمات في قضية قتل طفلي الصف بحقنة «كلور»محكمة الجيزة تستأنف محاكمة المتهمات بقتل طفلي الصف بحقنة «كلور»
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" الأسبوع "





