تعد لحظات الفراق من أقسى ما يمكن أن يمر به الإنسان في رحلة حياته الدنيا، وخصوصا عندما يتعلق الأمر بفقد شريك العمر وزوجة السكن والمودة، بعد رحلة طويلة من الكفاح والمشاركة امتدت لأكثر من ثلاثين عامًا.
إنها ليست مجرد نهاية لأيام معدودة، بل هي طي لصفحة عمر كامل مملوء بالذكريات، والمواقف، والمشاعر التي تغلغلت في أعماق الروح والقلب.
حين يرحل شربك الحياة بعد عقود من الألفة والعشرة الطويلة، يشعر الإنسان بفراغ هائل، وصمت موحش يملأ البيت الذي كان عامرا بالحياة والدفء.
إن مرارة غياب الزوجة الأم لا تقتصر على غياب شخص فحسب، بل تمتد لتعطل رفيق درب شارك الحلو والمر، وتفهم الصعاب، وخفف أعباء الحياة. وفي هذه اللحظات الحرجة، يجد القلب نفسه محاصرا بلوعة الحنين، وذكريات زوايا البيت التي تشهد على سنوات طويلة من البناء والمودة.
ولأن الإسلام دين يخاطب الوجدان وينظم مشاعر الإنسان، فإنه لم يغفل هذه اللحظات المؤلمة، بل وجه القلوب المعذبة إلى النور والسكينة عبر باب «الصبر».
يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز في محكم آياته:{وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 155-157].
كما بين النبي صلى الله عليه وسلم عظم أجر من يحتسب فقيده عند الله تعالى من خلال حديث قدسي شريف، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيما يرويه عن ربه عز وجل: «يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيّه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة» [رواه البخاري].
إن هذا الأجر العظيم يمثل البلسم الشافي للقلوب المنكسرة، واليقين بأن اللقاء الحق سيكون في مستقر رحمة الله ورضوانه.
ومما يخفف من حمل اللوعة ويسكن لظى الفراق، أن الراحلة العظيمة لم تكن مجرد زوجة، بل كانت سيدة فاضلة ضربت أروع الأمثلة في الوفاء والتضحية، فقد أفنت ثلاثة عقود من عمرها في رعاية أسرتها، وتربية الأولاد التربية الصالحة، والحفاظ على كيان البيت وسكينته.
لقد زرعت بذور الخير والطاعة، وتركت خلفها خمسة أبناء، هم الغراس الطيب الصالح الذين تلهج ألسنتهم بالدعاء لها بالرحمة والمغفرة في كل وقت.
ولقد كتب الله لها خاتمة حياتها برحلة قصيرة من المعاناة والألم، إذ دخلت في غيبوبة عميقة إثر إجرائها جراحة دقيقة في المخ، لتكون نهاية ابتلاءات الدنيا ومحن التى نرجو الله العلي القدير أن يجعلها في ميزان حسناتها، وأن تكون سببا لمحو السيئات ورفع الدرجات، لتتبوأ بها إن شاء الله تعالى أعلى عليين في الجنة، وتحشر مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، بفضل الله وجوده وكرمه ورحمته، فهو سبحانه أرحم الراحمين.
إن الفراق حق مكتوب، ولكن طمأنينة الإيمان، واستحضار الأجر العظيم، وجميل الذكريات، هي وحدها الكفيلة بتحويل حرقة الفراق إلى طمأنينة صبر ويقين، بانتظار اللقاء الأبدي في جنات النعيم إن شاء الله رب العالمين.
أسألكم الدعاء لها بالرحمة والمغفرة.
اقرأ أيضاً
كل أسبوع.. ورطة «الهلالي» (أخيرة)
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" الأسبوع "





