بين اتفاق أميركي إيراني ما يزال غامضا في تفاصيله، وحرب روسية أوكرانية تبحث عن مخرج بعد سنوات من الدمار، تنعقد قمة مجموعة السبع في لحظة فارقة تحمل في طياتها إعادة تشكيل للتوازنات الدولية.
لكن السؤال الذي يخيم على أروقة القمة: هل هي بداية حقيقية لنهاية الصراعات، أم مجرد هدنة هشة تخفي تحتها ألغاماً قابلة للانفجار في أي لحظة؟.
ملامح نظام دولي جديد وإعادة ترتيب الأوراق
يرى كبير الباحثين في المجلس الأطلسي في واشنطن، سمير التقي، خلال حديثه إلى غرفة الاخبار على سكاي نيوز عربية أن قمة أفينيون تمثل محاولة جادة لإعادة ترتيب التوازنات الدولية ووضع قواعد جديدة للتعامل مع الأزمات.
ويقول التقي في حديثه: "أعتقد بأن هذه القمة هي محاولة لإعادة ترتيب الأوراق فيما يتعلق بالكبار"، مشيراً إلى أن الملفين الإيراني والأوكراني يفرضان نفسيهما بقوة على أجندة القمة.
ويضيف التقي أن هناك حادثتين رئيسيتين بالنسبة لأوروبا كانتا هامتين: "أن أميركا انسحبت من دعم أوكرانيا، والشيء الثاني أن أوروبا رغم كل المخاطر تمكنت من إبقاء دعمها لأوكرانيا بحيث تبقى أوكرانيا تقف على قدميها". ويعتبر أن هذه رسالة واضحة للرئيس ترامب الذي "كان ماشياً باتجاه آخر".
ويلفت التقي إلى تطور مهم يتمثل في أن "أميركا بدت أكثر مطواعية لمناقشة الوضع في أوكرانيا ومخاطر روسيا على أوروبا"، مما يعني أن "الأرضية الموضوعية تسمح بأن لا يكون الكلام مجرد كلام، ويمكن الانتقال لمرحلة أخرى".
لكنه في الوقت ذاته يعرب عن تشككه في إمكانية حل قضية أوكرانيا قريباً، قائلا: "أنا لا أعتقد بأن قضية أوكرانيا ستحل قريباً على الإطلاق، الميزان القوى مختلف تماماً الآن، ولكن على الأقل فيما يتعلق بوضع قواعد للصراع الدولي نحن نقترب في هذه القمة".
حدود القوة.. حين لا تكفي الصواريخ لتحقيق النصر
في تحليل لافت، يوجه سمير التقي رسالة بالغة الأهمية لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل، مفادها أن الدرس الرئيسي المستفاد من الحالة الراهنة هو "حدود القوة".
ويوضح قائلاً: "لا يكفي أن تملك الصواريخ، لا يكفي أن تملك المدمرات والقدرة الصاروخية المطلقة، يمكن أن لا تتمكن من تحويل انتصاراتك إلى انتصارات سياسية إذا لم تكن لديك جيش من الدبلوماسيين".
ويحذر التقي من مخاطر جدية تهدد الاتفاق مع إيران، مشيراً إلى أن طهران "بدأت منذ الآن تطالب بتخفيض القوات الأجنبية في الخليج العربي، وتربط بشكل كامل مصير حزب الله بالاتفاق في لبنان، وتتحدث عن 300 مليار دولار".
ويخلص إلى أن "هناك مراهنة رئيسية إيرانية على إفشال جهد الرئيس ترامب من أجل فرض وضع جديد في الإقليم".
الاتفاق الأميركي الإيراني.. هدنة هشة في مهب الريح
من جانبه، يسلط الباحث في الشؤون الأميركية عوض البريكي الضوء على الحضور اللافت للدول العربية في قمة السبع، وعلى رأسها دولة الإمارات.
ويقول البريكي في حديثه لغرفة الأخبار: "هذا يعطينا مؤشرين اثنين: الأول أهمية دولة الإمارات والدول العربية المركزية في حل الأزمات، والثاني سيطرة الموضوع أو الحرب على إيران على اجتماعات الجي سيفن".
وإزاء ما تم تسريبه عن الاتفاق الأميركي الإيراني، يكشف البريكي عن أبرز بنوده قائلا: "ما نعرفه حالياً في اتفاق الذي تم توقيعه حالياً مع إيران هو إطار تفاوضي، لكن المؤكد فيه أنه سيتم رفع الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية، وفتح مضيق هرمز، ووقف إطلاق النار". ويضيف أن "الأموال المجمدة ورفع أو تخفيف العقوبات على إيران مربوط ربط تام بسلوك إيران في 60 يوماً".
غير أن البريكي لا يخفي تحفظاته العميقة على مآلات هذا الاتفاق، محذراً من أن "لا نهاية للصراع، فيه هدنة مؤقتة، تجميد للصراع، لا حرب لا سلام في مرحلة 60 يوماً".
ويطرح أسئلة وجودية تقض مضجع صانع القرار: "في حال لم يوصل الاتفاق في 60 يوماً، هل نرجع لحالة الصفر؟ هل نرجع لحالة الحرب؟ هل إيران سترجع مرة ثانية وتغلق المضيق؟ هذه المواضيع التي لدينا تحفظات عليها إنها ليست مدرجة في الاتفاق".
ويشير البريكي إلى مشكلة بنيوية في التعاطي مع الملف الإيراني بقوله: "نحن لا نريد صراحة أن ترامب أو إدارة ترامب أو بعض الرؤساء الأميركيين يميلون دائماً إلى وهم أنه يتم استمالة النظام الإيراني بالمال والتجارة والاندماج الاقتصادي على أساس أن النظام الداخلي يتعدل، وهذا لا يحصل على مر التاريخ".
ويزيد على ذلك بتحليل صريح: "كل طرف عنده سردية مختلفة للاتفاق، الإيرانيون عندهم سردية مختلفة، الأميركان الجمهوريون عندهم سردية مختلفة عن الديمقراطيين".
شرق أوسط جديد ودروس قاسية من الحرب
يكشف البريكي عن تحول استراتيجي عميق أنتجته الحرب، قائلا: "الحرب أنتجت شرق أوسط جديد من ناحية التحالفات الداخلية في الإقليم وتحالفات أيضاً خارجية".
ويوجز الدرس الأهم المستفاد من هذه الحرب بالقول: "تأمينك الداخلي في دفاعك الداخلي هو أهم شيء". ويكشف عن حقيقة صادمة بقوله: "في 28 فبراير أكثر من 90% من الصواريخ لم تكن موجهة إلى إسرائيل، كانت موجهة إلى دولة الإمارات، والهدف كان رفع التكلفة على الاقتصاد العالمي، لأن مركزية دولة الإمارات ودول الخليج في الاقتصاد العالمي كانت كبيرة".
أما عن كلفة الحرب على الاقتصاد العالمي، فيحذر البريكي من أن "أسعار النفط لا ترجع من أربع شهور إلى 6 شهور، فهذه تكلفة يدفعها دول المنطقة ويدفعها أيضاً الاقتصاد العالمي"، مؤكداً أن حضور الشيخ محمد بن زايد والرئيس المصري وأمير قطر لقمة السبع "دلالة على أن الاقتصاد العالمي في قلب هذا الصراع والتكلفة عالية جداً".
أوروبا وألمانيا.. عملاق نائم يستيقظ على وقع الأزمات
من برلين، يؤكد عضو مجلس الأمن القومي في الحزب الحاكم بألمانيا، الدكتور مصطفى العمار، أن القمة "ليست فقط استودع جديد وإنما نحن على حقبة جديدة"، معتبراً أن اللقاء "رسم رسالة خارطة جديدة لـ G7 خصوصاً بوجود دول خارج العربي، دولة الإمارة العربية المتحدة، هذا الوجود له أهمية وثقل كبير جداً".
ويكشف العمار عن تحول نوعي في الموقف الأوروبي قائلا: "أوروبا ليست فقط أمام حربين وإنما ثلاث حروب: الروسية والإيرانية والحرب الاقتصادية التي منذ البداية كان يقول الكثيرون أنها ليست حربنا، لكنها انعكست علينا، بالعكس هذه أصبحت حربنا ومن مسؤوليتنا".
وفيما يتعلق بالملف الإيراني، يوجه العمار انتقادات حادة للنظام في طهران، مؤكداً أن "النظام الإيراني فاقد مصداقيته منذ زمن بعيد وفاقد أيضاً لشرعيته"، وزاد: "الجميع عرف أن النظام الإيراني أصبح تنظيم إرهابي يريد زعزعة أمن المنطقة، فيجب أن تكون هناك وجوه جديدة، وهذه الوجوه الجديدة إن تغيرت يجب أن يكون هناك نظام جديد".
ويلفت العمار إلى استعداد ألماني للمشاركة في تأمين مضيق هرمز، كاشفاً أن "أوروبا وألمانيا كانت مستعدة للمشاركة في تأمين مضيق هرمز، وقد وضع علينا في مجلس الأمن القومي الذي أرسل سيد المستشار ونحن كحزب حاكم، وكنا نناقش هذا الشيء منذ الشهر الثالث". ويضيف: "اليوم أعلن استعداده، لأن هذا كان مطرح منذ البداية، وزير الخارجية صرح بهذا ووزير الدفاع، يريد أن يرسلون كاسحة ألغام".
ويختتم العمار بتأكيد أهمية الإنفاق الدفاعي، قائلاً: "عندما نريد تأمين السلام وتأمين أنفسنا يجب أن ننفق في الدفاع، لأن الخطر دائماً يأتي من القرب لا يأتي من البعد". ويصف ألمانيا بأنها "العملاق النائم" الذي يستعد للنهوض، مؤكداً: "لدينا قوة دفاعية، لدينا ردع عسكري، لدينا تأمين لأمورنا، ولدينا أيضاً إنفاق أكثر في الجيش، هذا لم يكن في السابق".
belbalady
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" سكاي عربية "












0 تعليق