العمل السياسي لا الحل السلمي
بعد أن اطمأن عبد الناصر إلى توافر النجاح لعملية إعادة بناء القوات المسلحة، بدأ يلتفت إلى الوضع العربي. في 10 يوليو 1967، اجتمع في القاهرة قادة كل دول المواجهة، مصر وسوريا والأردن والجزائر والعراق. واتفق الرؤساء على أن يسافر الرئيسان العراقي والجزائري إلى موسكو فورًا، ويجريا مباحثات سرية عاجلة مع القادة السوفييت، ثم يعودان إلى القاهرة لإبلاغ الرؤساء الموجودين بالنتيجة. فطار الرئيسان عارف وبومدين في 17 يوليو إلى موسكو، فاجتمعا بالقيادة السياسية والعسكرية، وعادا إلى القاهرة مساء اليوم التالي 18 يوليو، والتقيا بجمال عبد الناصر، لإطلاعه على ما توصلا إليه من نتائج. وقد كانا قد توقفا في مطار بلجراد والتقيا بالرئيس تيتو في طريقهما إلى الاتحاد السوفيتي، حيث تولى إعطائهما صورة عما جرى من ثورة في مؤتمر بودابست، حيث كان هناك انقسام كبير في الكتلة الشرقية، لأن كثيرين يتهمون القيادة السوفيتية بالتخاذل والتردد إزاء الأمريكان.
في الاجتماعات التي عقدت في القاهرة عقب عودة الوفد العربي من الاتحاد السوفيتي، قال الرئيس جمال عبد الناصر: “إنني اعتقد أن هناك فرق بين العمل السياسي والحل السلمي. فمن حيث العمل السياسي علينا أن نقوم بجهد سياسي في العلاقات الدولية، لأننا في حاجة إلى وقت لنستكمل فيه بناء قدراتنا الدفاعية أولًا، أما الحل السلمي فهو أمر آخر تمامًا. وفي رأيي أن الحل السلمي سواء بطريق السوفييت أو بطريقة الأمريكان ، لن يكون حلًا سلميًا ولكنه استسلام، بل هو تصفية للقضية. وعندما يكون الطريق مسدودًا يصبح الطريق الوحيد هو الكفاح المسلح”.
يقول محمود رياض: “سألني عبد الناصر فجأة: الآن حدثني عن اقتراحك بالنسبة للبترول العربي. فأعدت له شرح اقتراحي، وإنني أرى بأن نطلب من الدول العربية المصدرة للبترول، أن تخصص 10% من دخلها البترولي، لدعم الصمود الاقتصادي في هذه المرحلة. وأضفت أننا نفقد مائة وعشرين مليون جنيه سنويًا، بسبب إغلاق السويس بضع سنوات، وانقطاع مواردنا البترولية من سيناء. ومن جهة أخرى فهناك دول عربية تعتمد على البترول، وكطاقة لتحلية مياه البحر.
سكت عبد الناصر قليلًا، قبل أن يقول معترضًا: كل هذا معقول، ولكن غير المعقول أن أطلب باسم مصر أموالًا من دول عربية، كانت مصر هي التي كانت تعاونهم قبل ظهور البترول لشهور طويلة. كيف تتخيل وقع ذلك على الشعب المصري وعليَّ أنا شخصيَّا؟. كان واضحًا أن تلك النقطة صعبة فعلًا على نفس عبد الناصر، وقد حاولت أن أخفف عليه الأمر بقولي: اعتدنا أن نعطي من قبل فعلًا. ولكننا أعطينا لأخوة لنا، وهم إذا أعطونا الآن، فإنهم كذلك سيعطون لأخوة لهم. ثم إننا الآن في معركة لا يقتصر الخطر فيها علينا فقط، ولكنه خطر مشترك ضد العالم العربي بأكمله. والجميع أصبحوا يدركون الآن أن الخطر الإسرائيلي، هو أمر يعلو على النظم السياسية، والآراء السياسية في العالم العربي”.
النظام الإقليمي العربي
وفي 26 أغسطس عام 1967، كان عبد الناصر يستقل الطائرة في طريقه إلى مؤتمر القمة في الخرطوم، وكانت المنطقة والعالم يتابعونه، باعتباره أول اختبار عملي، للعلاقة بينه وبين جماهير الأمة العربية خارج مصر، أي خارج سلطة دولته. وحين ركب سيارته وتحرك موكبه إلى شورع الخرطوم، كان شلالًا هادرًا متدفقًا من البشر في انتظار رجل واحد. كانت مظاهرة لم يشهد العالم العربي في تاريخه مشهدًا يماثلها، فقد كانت كتل الناس تتحرك مع الموكب في شوارع الخرطوم، وكان جبل الجماهير يناديه بصوت واحد، يردد اسمه ويعاهده على السير وراءه إلى ساحات النصر. وحين مر بعده موكب الملك فيصل ، كانت صيحة الجماهير له واحدة “وراء جمال.. يا فيصل” .
وكان مؤتمر الخرطوم هو المؤتمر الذي أعاد ترتيب الأوضاع العربية، وأكد دعائم نظام إقليمي تقوده مصر. فعندما انتهى الرئيس عبد الناصر من إلقاء كلمته، ران الصمت على قاعة الاجتماع، واتجهت الأنظار نحو الملك فيصل، الذي بدأ يتحدث بصوته الهادئ، فقال: “إنني أقترح أيها السادة أن تكون كلمة الأخ الرئيس جمال عبد الناصر هي ورقة العمل الخاصة بالمؤتمر، وأن تكون أساس القرارات التي ستصدر عنه في المستقبل”. وفي الجلسة التالية للمؤتمر: بدأ الملك حسين بالحديث مشيدًا بالرئيس جمال عبد الناصر، ومسجلًا إيمانه بأن عبد الناصر يمثل الوطنية والإخلاص في الوطن العربي.
انتهى مؤتمر القمة العربي بالخرطوم إلى الموافقة بالإجماع، على أنه لا صلح ولا اعتراف ولا تفاوض مع إسرائيل، والتمسك بالحقوق الكاملة للشعب الفلسطيني، وتقديم الدعم السنوي لمصر والأردن. وكانت من النتائج الجانبية لمؤتمر الخرطوم أيضًا تسوية مشكلة اليمن بصفة نهائية، مما انتهى إلى سحب القوات المصرية من هناك بالتدريج على امتداد الأشهر الثلاثة التالية، وبالتالي إلى تصفية العامل الأساسي في توتير العلاقات المصرية السعودية.
تقول جولدا مائير في مذكراتها: “لقد قلت لأحفادي أن الجنود سيرجعون وسيحل السلام، وسنستطيع السفر إلى الأردن و مصر. ولكن ذلك لم يحدث فقد أعاد القادة العرب تقييمهم للموقف، انتهوا إلى أمر مختلف بالمرة في مؤتمر الخرطوم ، فأصدروا اللاءات الثلاثة”.
ويقول الصحفي الأمريكي ستيف جرين: “لم تنعم إسرائيل بانتصارها سوى أسبوعين، الذي يمكن اعتباره أكبر نصر عسكري حاسم في تاريخ الحروب الحديثة. ففي أول يوليو 1967 تبادلت القوات الإسرائيلية والمصرية القصف المدفعي وقذائف المورتر عبر قناة السويس. وفي 8 يوليو دعا الجيش الإسرائيلي إلى القيام بضربات جوية للرد على المدفعية المصرية. وفي 14 يوليو اشتبكت القوات الجوية والبحرية المصرية والإسرائيلية، في قتال حاد على طول القناة. ونُقل عن موشي ديان وزير الدفاع الإسرائيلي، قوله في الإذاعة الرسمية بأن القتال حول القناة قد بلغ عمليًا حد الحرب، وبذلك بدأت حرب الاستنزاف، ويضيف جرين: “وكانت أكبر مفاجأة في هذه المرحلة، هي تشكيل قوات الكوماندوز المصرية، وبدأت وحدات صغيرة منها تعبر القناة ليلًا، وتقوم أولًا بالاستكشاف، ثم تزرع الألغام في الطرق الموصلة إلى المعاقل الإسرائيلية القوية، وتنصب الكمائن للدوريات وتهاجم المخافر الصغيرة”.
يقول المشير الجمسي مدير العمليات في حرب أكتوبر ووزير الدفاع فيما بعد، في معرض تقييمه لحرب الاستنزاف: “إن حرب الاستنزاف تعتبر أطول حرب نشبت بين مصر وإسرائيل، استخدمت فيها القوات البرية والجوية والبحرية والدفاع الجوي. وكان لهذه الحرب هدفها السياسي واستراتيجيتها العسكرية، وعملياتها ذات الطابع الخاص، وتكتيكات تنفيذها، كمرحلة من مراحل الصراع المسلح بين مصر وإسرائيل، في فترة ما بعد هزيمة يونيو، وهي تختلف في هذا المجال عن الحرب الشاملة. ومن المعروف أن إستراتيجية حرب الاستنزاف من الاستراتيجيات المعترف بها في العلم العسكري”. وينهي الجمسي تقييمه بقوله: “أرى أن حرب الاستنزاف استكمال لمرحلتي الصمود والدفاع النشط. وهي المرحلة التحضرية الحقيقية والعملية لحرب أكتوبر1973. ولا شك أنها كانت عبئًا ثقيلًا على كل من مصر وإسرائيل، لكنها أكثر فائدة لمصر وأكثر ضررًا لإسرائيل”.
في أول مايو 1970، قرر عبد الناصر إتاحة الفرصة أمام الولايات المتحدة، لتتخذ موقفًا متوازنًا ، فتوجه في خطاب علني في عيد العمال بنداء إلى نيكسون، جاء فيه: “إن الولايات المتحدة توشك أن تقوم بخطوة بالغة الخطورة على الأمة العربية، في إشارة إلى دفعات جديدة من الطائرات، تدرس تزويد إسرائيل بها، سيفرض على الأمة العربية موقفًا لا رجعة فيه”.
وأضاف “إذا كانت أمريكا تريد السلام، فلتأمر إسرائيل بالانسحاب من الأراضي العربية المحتلة. وأما الحل الثاني إذا لم يكن ذلك في طاقة الولايات المتحدة، ونحن على استعداد لتصديقها إذا قالت ذلك، مهما كانت آراؤنا فيه، ولكننا في هذه الحالة نطلب طلبًا واحدًا، هو بالتأكيد في طاقة أمريكا. ذلك الطلب هو أن تكف عن دعم جديد لإسرائيل ، طالما هي تحتل أراضينا العربية، أي دعم سياسي أو اقتصادي أو عسكري”.
وأضاف: “إنني أقول للرئيس نيكسون، إن هناك لحظة فاصلة قادمة في العلاقات العربية الأمريكية؛ إما أن تكرس القطيعة إلى الأبد، وإما أن تكون بداية أخرى جادة ومحددة. وإن التطورات القادمة لن تمس العلاقات العربية الأمريكية وحدها، وإنما سوف تكون لها تأثيرات خطيرة أوسع من ذلك وأبعد”.
وكانت إسرائيل من جانبها تمارس حملة سياسية نشطة داخل الولايات المتحدة، من أجل الضغط على الحكومة الأمريكية، للارتباط معها على 125 طائرة جديدة، وقد وقع 85 عضوًا في مجلس الشيوخ الأمريكي في 4 يونيو 1970 على خطاب ، قدموه إلى وليم روجرز مطالبين حكومتهم بتزويد إسرائيل بالمزيد من الطائرات الحربية الحديثة. وفي 7 يونيو صرح وزير الخارجية الأمريكية، بأن الولايات المتحدة ستعلن قريبًا قرارها بشأن بيع الطائرات الحربية لإسرائيل. وامتنعت الولايات المتحدة في هذه المرحلة عن البت في صفقة الطائرات الجديد لإسرائيل. وإن كانت استمرت في تسليم الطائرات، التي سبق التعاقد عليها منذ عام 1968. وقدم روجرز مبادرة لحل أزمة الشرق الأوسط وفقًا لقرار الأمم المتحدة 242.
يقول هنري كيسنجر عن مبادرة روجرز في مذكراته: “في 22 يوليو عام 1970، وفي الوقت الذي كانت فيه المجابهة محتومة، قَبِل ناصر وبصورة مفاجئة اقتراحنا حول وقف النار والمفاوضات”. ويضيف كيسنجر “كادت الحكومة الأمريكية أن تطير فرحًا لقبوله مبادرة روجرز، ومهما يكن من أمر، فقد ظهر أن فرحنا سابق لأوانه”.
ويفسر شارون سبب قبول عبد الناصر لمبادرة روجرز ووقف إطلاق النار، حيث يقول: “أدهشت الجميع، موافقة عبد الناصر على وقف إطلاق النار. ولم تمض ساعات قليلة حتى كشف النقاب عن سرها، فخلال الأشهر الأخيرة كان الروس يدفعون إلى الأمام خطوة خطوة، منصات إطلاق الصواريخ سام 3 في اتجاه القناة، فيما كان وقف إطلاق النار يدخل حيز التنفيذ. وبدا واضحًا أن المصريين والروس، قبلوا هذه الهدنة ليس بهدف التوصل إلى حل (كما رغبت في ذلك وزارة الخارجية الأمريكية)، بل كحيلة تسمح لهم بدفع صواريخ سام 3 للأمام، دون أن تتعرض- مؤقتًا على الأقل- لهجمات الطيران الإسرائيلي. وكان ذلك حدًا فاصل، فما أن يعاد انتشار الصواريخ، حتى يغدو المجال الجوي فوق القناة محظورًا على طائراتنا. فيستطيع المصريون إعادة قصفنا بكل بطاريات مدفعياتهم، دون أن نستطيع هذه المرة أن نرد عليهم. وإذا قرروا عبور القناة، لا نستطيع أن نستخدم طيراننا لإيقافهم، فإذا قبلنا هذا الوضع على مضض، نكون قد قبلنا حرب جديدة لا مفر منها”.
ويؤكد ذلك إيلي زعيرا مدير المخابرات العسكرية: “ومن الواجب علي أن أوضح أن سلاح الجو، قد أبلغ هيكل الدفاع بكل صراحة – حتى قبل نشوب حرب عيد الغفران- أنه لن يستطيع تحقيق هذه المهمة، على أقل تقدير خلال الـ 48 ساعة الأولى من الحرب، لأنه منذ عام 1970 فصاعدًا، حدث تغير هام وجوهري للغاية، حيث وضعت صواريخ أرض/ جو فعالة، من إنتاج الاتحاد السوفيتي في منطقة الجبهة، ومنعت السلاح الجوي من تقديم المساعدة للقوات البرية، وهذا يعني أن واحدًا من أعمدة نظرية الأمن قد انهار”.
من جهة أخرى يعبر ما يقوله هنري كيسنجر عن مدى ما بلغته سياسات جمال عبد الناصر من نجاح، خلال الصراع الولايات المتحدة، وتأثرها بدوره في قيادة النظام العربي، حيث يقول: “في حين أنني لا أشترك أبدًا في حفلات الاستقبال التي تجري في السفارات، فقد عزمت على المشاركة في حفلة، دعت إليها البعثة المصرية في واشنطن مساء 22 سبتمبر 1970، لأدلل جيدًا على أن سياستنا غير مناهضة للعرب”.
أي برغم ترفعه عن حضور حفلات السفارات الأجنبية، حضر حفلة في مقر البعثة المصرية، بالرغم من أنها أقل من مستوى سفارة، لأن العلاقات المصرية الأمريكية مقطوعة منذ 6 يونيو 1967، ورغم ذلك فقد حضر ليخاطب العرب من منصتها، أي من مقر البعثة المصرية، ويعبر عن عدم مناهضة أمريكا لهم.
ويقول كيسنجر عن مصر في كتابه “سنوات الاضطراب Years of Upheaval”: “وهكذا أصبحت مصر مفتاح دبلوماسية الشرق الأوسط. وعززت الضرورة التكتيكية ما كسبته مصر، بحجمها، وتقاليدها، ونفوذها الثقافي، وتضحياتها في سلسلة من الحروب العربية الإسرائيلية. كما كانت مصر الدولة العربية الأكثر اكتظاظا بالسكان، والمركز الثقافي للمنطقة. وكان معلموها هم العمود الفقري للنظام التعليمي في العالم العربي، كما استقطبت جامعاتها الطلاب من جميع أنحاء المنطقة. وهي تتمتع بأطول تاريخ في التنظيم السياسي بين الأمم، مع استثناء محتمل للصين. وقد تحملت وطأة الصراع العربي الإسرائيلي. وسواءٌ كانت ملكية أو جمهورية، فقد انخرطت في صراع تجاوز المصالح الوطنية المصرية الضيقة، فقد ضحت بشبابها من أجل قضية الوحدة العربية أو تقرير المصير الفلسطيني . وفي هذه العملية فقدت شبه جزيرة سيناء، وخاطرت مراراً وتكراراً بالتماسك الوطني مصر، بأن لها الحق في صنع السلام”.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "















0 تعليق