القمح هو حديث الصباح والمساء. الاكتفاء الذاتي منه هو الهم الأكبر، الذي لا يجب أن ينفلت عن أذهان المصريين، مهما كلفهم ذلك الغالي والسمين، لكونه سلعة استراتيجية، يرتبط انتاجها بالاستقلال الوطني.
في 17مايو الماضي، قال الرئيس عبد الفتاح السيسي، وكانت عينه على القمح، ما معناه انسوا الاكتفاء الذاتي من السلع الغذائية، كل العالم ليس لديه اكتفاء ذاتي من ذلك، الاكتفاء الذاتي صعب جدا كما قال إن كثيرا من الدول ليس لديها اكتفاء ذاتي من كل المحاصيل “مفيش اكتفاء ذاتي لكل المحاصيل.. بتكلم عن بلدنا.. مهما عملت لا يمكن أن يتحقق اكتفاء ذاتي.. بتكلم عن الوعي لنعرف ونفهم الحكاية” “ولو حطينا 2-3 ملايين فدان فوق الموجود، هل نقدر مع 110 مليون مصري.. أتمنى بس غير واقعي”. ما عندنا أرض ولا مياه ونحتاج نزرع ذرة كأعلاف.
الاكتفاء الذاتي.. نعم نستطيع
في مقابل هذا الحديث، كلام آخر، فكل الأعمال العملاقة والكبيرة بدأت كأفكار مستحيلة وصعبة التنفيذ. التحدي هو أساس النجاح. مرت مصر بتجارب من هذا النوع أكبر بكثير من أمل الاكتفاء الذاتي من القمح كالسد العالي، ونقل معبد أبو سمبل، وازدواج قناة السويس في عدة مناطق في عدة مرات، منها ما حدث في أوائل حكم “السيسي” نفسه، ومن تلك التجارب أيضا ما هو أقل من فكرة الاكتفاء الذاتي من القمح، لكنه حقق طفرة كالطرق والمحاور المرورية.
وحتى لو نظرنا إلى الخارج، سنجد شعوبا أقل منا في التصميم والجهد والعزيمة، حققت المعجزات لبلادها. إثيوبيا شدت الهمم والأزر، وحققت سد النهضة بعد أن جعلته مشروعا قوميا للم الشمل. مشروع تواجه به خصومها، الذين لا يرضون لها التنمية، كما كانت تروج وتدعي افتراء. اليوم أعلنت أنها حققت الاكتفاء الذاتي من القمح، بعد أن أعلنت إنتاج 33 مليون طن منه، لتصبح السابعة على العالم مع كندا التي تنتج 33,8 مليون طن منه، وذلك كله بعد أن كانت من كبار مستوردي القمح، وكان إنتاجها منذ أقل من عقد لا يبارح الـ2,5 مليون طن. بالتقنيات الحديثة ونظم الري الجديدة، والبذور الجيدة والمياه والأرض حققت إثيوبيا، وبفعل معهد التحول الزراعي الإثيوبي، ما كان منذ سنوات قليلة يُعد حُلم. كانت إثيوبيا ومصر من أكثر الدول الإفريقية، التي جعلت من الطلب الإفريقي على القمح مرتفعا (8 مليار دولار حسب البنك الإفريقي للتنمية). خرجت إثيوبيا من المعضلة، وبقيت مصر اليوم طامحة.
أرقام وإحصاءات مهمة
بمصر اليوم أرض زراعية تقدر بنحو 10,4 ملايين فدان، تُشكل ما بين 3,5-4% من مساحة مصر الكلية، أما المأهول بالسكان والقابل للزراعة، فهو 25% من المساحة. ويعمل بقطاع الزراعة بمصر 8,5 ملايين عامل، ما يشكل 32% من سوق العمل. يقول المولى عز وجل في كتابه “القرآن”: إن مصر كانت بسبب وفرة القمح تقف على خزائن الأرض. يومئذ كان للقمح تحديدا صولات وجولات تاريخية يوم أن كان كل من حولنا يعيش في مجاعة، بل كانت مصر آمنة إبان الجفاف الذي ضربها في القرن السابع عشر قبل الميلاد عهد النبي يوسف عليه السلام.
اليوم تستهلك مصر نحو 20 مليون طن من القمح، تنتج نحو نصفها، بعد ارتفاع الإنتاج 700 ألف طن عام 2026. وحسب وزير الزراعة في 20 يونيو 2026، فقد انخفضت واردات مصر من القمح من الخارج، بعد أن كانت 13,2 مليون طن، وكان أحد الأسباب ارتفاع متوسط إنتاج الفدان إلى 19,5 أردبا (الأردب= 155كجم).
أكبر موردي مصر من القمح، وفقا لبيانات 2024، هي روسيا، ويقدر المورد منها بـ 77% من احتياجات مصر، يليها أوكرانيا 16%. وتستورد مصر القمح منذ ستينيات القرن الماضي عبر هيئة السلع التموينية، التي تقوم بتوزيعه على المخابز، قبل أن يصبح منذ عامين أمرا محتكرا من قبل جهاز تحيا مصر للتنمية المستدامة المنشئ بقرار جمهوري رقم 591 لسنة 2022، والتابع للقوات الجوية، ويحصل الجهاز على القمح بالأمر المباشر، بدلا من التعاقدات، وتقوم الهيئة بتوزيعه على المخابز، ويحصل مستقبل مصر على القمح بأثمان مرتفعة، عما كان تحصل عليه الهيئة قد يصل إلى 30 دولارا للطن، وفقا لطلب إحاطة تقدم به النائب أحمد فرغلي عضو مجلس النواب لوزير التموين!!!
ووفقا لمنظمة World Top Export تستورد مصر سنويا ما قيمته 3,80 مليارات دولار، وهو ما يمثل 5,3 من تجارة القمح الدولية، ما يجعلها تلي إندونيسيا، التي تستورد ما قيمته 3,81 مليارات دولار، وتسبق الصين التي تستورد ما قيمته 3,78 مليارات دولار.
قامت مصر في الموسم الزراعي 25/ 2026 -حسب وزير الزراعة- بزراعة 3,76 ملايين فدان قمح بزيادة 600 ألف فدان عن موسم 24/2025.
من المهم، الإشارة إلى أن مصر نجحت بشكل كبير في دعم الفلاح المصري؛ لكونها أصبحت تشتري منه بأسعار تفوق الـ30% من الأسعار التي تستورد به طن القمح من الخارج، وذلك بعد أن ظلت لسنوات تدعم الفلاح الروسي، وتشتري من الفلاح المصري بالبخس.
مواجهة أزمة المياه.. مشكلة المشاكل
ولأن مصر تعتمد على مياه النيل في 98% من مصادرها المائية، لكونها بلد جاف غير مطير، ولأن ما يرد لها من مياهه هو 55,5 مليار قدم مكعب سنويا، فإنها تصبح اليوم في شح مائي، تم التعبير عنه رقميا في كون نصيب الفرد من المياه سنويا أصبح أقل من 500 متر مكعب من المياه.
من هنا تقوم الدولة بتدوير مياه الصرف الزراعي، وقد بُنيت محطة الحمام وتنتج 7.5 ملايين م3 يوميا، وبحر البقر وتنتج 5.6 ملايين م3، والمحسمة وتنتج 1.3مليون م3. وفوق ذلك، هناك عشرات لمشروعات تحلية مياه البحر، ومشروعات الري الحديث.
ورغم أن زراعة القمح- على عكس ما ذكر الرئيس عبد الفتاح السيسي- لا تتعارض مع زراعة الذرة، لكون المحصول الأخير صيفي ومحصول القمح شتوي، إلا أن أزمة المياه، وفقا للبيانات آنفة الذكر، تعتبر لب المشكلة. ومن هنا، يصبح التوسع الرأسي أو الكيفي مهم إلى جانب التوسع الأفقي.
لا شك أن الري بالغمر هنا يُعد من الأمور التي لا نقاش فيها؛ باعتبارها مستنزفة للمياه. لذلك يُصبح الري بالتنقيط حتى في وسط الدلتا، ولا سيما في حدائق الفاكهة وبعض الخضروات، واحد من أهم المشروعات التي يجب التوسع فيها، من خلال دعم الفلاح بالحوافز الكبيرة لاستخدام تلك الآلية المهمة والموفرة للمياه بقدر كبير. واحد من أهم الحوافز دعم الزراعة التعاقدية للقمح بأسعار كبيرة تفوق أسعار زراعته بالري بالغمر، وهي الطريقة التقليدية السارية في زراعة القمح بمصر اليوم.
الري بالرش هو أيضا الجانب المقابل لتوفير المياه، هنا يمكن أن نعطي مثلا بمشروعات الصالحية وتوشكى حيث تروى المحاصيل بالرشاشات الدوارة، التي تروى بالكاد ما عمقه 10 سم من سطح التربة.
التوسع الأفقي يفتح آفاقا جديدة
في السنوات والأشهر القليلة الماضية، ولربما الأشهر القادمة، توسعت رقعة الأرض الزراعية بمصر. هناك 2,2 مليون فدان في الدلتا الجديدة، و1,1 مليون فدان بتوشكى الخير، و1,5 مليون فدان بمشروع تنمية الريف المصري، و650 ألف فدان بمشروعي تنمية جنوب الصعيد والوادي الجديد و456 ألف فدان في شمال ووسط سيناء. كل تلك المشروعات وما يلحقها قادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح. فمع التوسع في وسائل الري الحديث، والبذور الجيدة، ودعم الفلاح بالمستلزمات الزراعية، وتأسيس المجتمعات الزراعية المتكاملة… إلخ. يمكن تحقيق طفرة سنوية معقولة. ولا شك أن الحد من استخدام القمح عبر الخلط بالذرة هو من الأمور الجيدة أيضا للحد من الاستيراد وسرعة الوصول للاكتفاء الذاتي.
طريق الألف ميل يبدأ بخطوة. الطبيب يجب أن يقول للمريض، إن الأمل بالشفاء قائم، حتى لا يقضى عليه كلية.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "








0 تعليق