لا يُقاس النجاح المالي للأفراد بالوفرة المالية المؤقتة، بل بامتلاك هؤلاء لخطة مالية تمكنهم من مواكبة مختلف مراحل الحياة. فمع تغير الاحتياجات وتقلّب الظروف الاقتصادية وارتفاع متوسط الأعمار، لم يعد التخطيط للمستقبل خياراً، بل أصبح ضرورة تفرضها تحديات الواقع.
وبينما ينشغل كثيرون في تلبية متطلبات الحياة اليومية، يغيب عن أذهان هؤلاء سؤال لا يقل أهمية عن مهمة تأمين لقمة العيش، وهو كيف نحمي مستوانا المعيشي عند بلوغ عتبة التقاعد والتوقف عن العمل؟
ورغم تزايد الوعي بأهمية الادخار للتقاعد، لا يزال عدد كبير من الأشخاص يعتمدون على قواعد عامة ونصائح مالية متداولة باعتبارها وصفات جاهزة للنجاح، من دون الأخذ في الاعتبار اختلاف الأهداف الشخصية لكل فرد.
وفي هذا السياق، يقول إدوارد ماكواري وويليام بيرنشتاين، مؤلفا كتاب "التقاعد: كيف تدخر ما يكفي، وتستثمره جيداً، وتجعل أموالك تدوم"، إن معظم النصائح التي يتم نشرها حول التخطيط للتقاعد هي نصائح خاطئة، حيث يجب على كل شخص وقبل البدء بالتخطيط لتقاعده، أن يعرف أين تريد أن يصل، وأن يطرح على نفسه أسئلة مثل: هل أكره الإنفاق؟ هل أخشى الموت مفلساً؟ هل أشعر أن الادخار للمستقبل يحرمني فرصة الاستمتاع بالحياة على أكمل وجه؟
رحلة لا يمكن التنبؤ بها
وينقل تقرير أعدته "وول ستريت جورنال" واطّلع عليه موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، عن مؤلفيْ الكتاب قولهما، إنه لا يمكن لأحد التنبؤ باحتياجاته المالية في التقاعد بدقة، فلا أحد يعرف كم ستمتد فترة تقاعده وما إذا كان سيعيش حتى 120 عاماً، أو سيتعرض لحادث سير غداً، أو أن صحته الجيدة ستتدهور فجأة، ولذلك فإن أفضل ما يجب أن يتمناه المقبلين على التقاعد والمتقاعدين على حد سواء، هو أن تسير الأمور معهم كما يشتهون.
20% من البداية
ويلفت كل من مؤلفي الكتاب إلى أن تحقيق أهداف التقاعد تتطلب مزيجاً من الانضباط والحظ، حيث يمكن تحقيق الانضباط من خلال البدء مبكراً بخطة التقاعد واستغلال الفرص المتاحة، ولذلك ينصحان الشباب بادخار ما لا يقل عن 20% من دخلهم سنوياً طوال حياتهم العملية.
أخطر العادات المالية
ويشدد الكاتبان على ضرورة تجنب الأفراد زيادة متوسط إنفاقهم من بداية مسيرتهم بدلاً من تقليله لاحقاً،
فخفض مستوى المعيشة بعد الاعتياد على إنفاق مرتفع يُعد من أصعب القرارات المالية التي قد يواجهها الأفراد، كما يجب الحذر كثيراً من تحويل مجاراة الآخرين إلى دف بحد ذاته، فسيارات BMW، والملابس الفاخرة، وحقائب بيركين ليست مجرد خيارات لأسلوب الحياة، بل هي اختبارات ذكاء حقيقية للانضباط المالي وحسن إدارة الأموال.
ثبّت إنفاقك واستثمر
وفي إطار نصائحهما لتحقيق الأمان المالي المستدام وبناء ثروة التقاعد، يرى إدوارد ماكواري وويليام بيرنشتاين، مؤلفا كتاب "التقاعد: كيف تدخر ما يكفي، وتستثمره جيداً، وتجعل أموالك تدوم"، أنه عند حصول الفرد على زيادة في الراتب، أو مكافأة، أو ميراث غير متوقع، فيتعين عليه الحفاظ على مستوى إنفاق ثابت، وتوجيه الفائض الجديد نحو الاستثمار في صندوق مؤشر منخفض التكلفة أو صندوق تقاعد متنوع ذي تاريخ استحقاق محدد، لافتين إلى أن تحقيق عوائد قوية من هذه الاستثمارات أمر يتطلب بعض الحظ.
الوظيفة المناسبة للخطة التقاعدية
وفيما يتعلق بالمسار المهني، ينصح الكاتبان بالعثور على وظيفة العمر التي تضمن استمرارية العطاء، مشيرين إلى أنه من الأفضل للفرد العمل في وظيفة يحبها براتب يعادل 80% من دخله المثالي، بدلاً من الاستمرار في وظيفة يكرهها لمجرد أنها ذات أجر أعلى. ويؤكد المؤلفان أن هذا الخيار يضمن استدامة الدخل، إذ يتيح للفرد العمل والادخار بإنتاجية حتى سن السبعين، بدلاً من التعرض للاحتراق الوظيفي والتقاعد المبكر في سن الخامسة والخمسين بسبب تكاليف العلاج النفسي.
ويشدد الكاتبان على أن المرونة المالية لا تتحقق بمجرد العيش في حدود الإمكانيات المتاحة، بل بالعيش بأقل منها، إذ يظل خفض النفقات هو السبيل الأمثل لتأمين المستقبل.
أسئلة يجب الإجابة عنها
ويقول الخبير في الإدارة المالية حسان حاطوم، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن الكثير من الأفراد يرتكبون خطأً شائعاً عند التخطيط للتقاعد، وهو التركيز على حجم الأموال التي يحتاجون إليها، بدلاً من التركيز على طبيعة الحياة التي يرغبون في عيشها بعد التقاعد، فالخطة الناجحة لا تبدأ باحتساب حجم المحفظة الاستثمارية، بل بالإجابة عن أسئلة أساسية مثل أين سأعيش؟ هل سأحتاج إلى سيارة؟ هل سأرغب في السفر؟ وهل أنوي مساعدة الأبناء أو الأحفاد مالياً؟ مشيراً إلى أن هذه التفاصيل هي التي تحدد حجم الإنفاق المستقبلي وليس العكس، إذ هناك أشخاص قد يحتاجون إلى دخل أقل بعد التقاعد نتيجة انتهاء أقساط السكن والتعليم، بينما قد يحتاج آخرون إلى دخل أعلى بسبب تكاليف الرعاية الصحية أو الهوايات أو السفر.
فخ التأجيل
ويرى حاطوم أن أكبر عائق أمام التقاعد المريح، يكمن في الطريقة التي يتخذ بها الأفراد قراراتهم المالية، فحتى أصحاب الدخل المرتفع، قد يصلون إلى سن التقاعد من دون مدخرات كافية إذا اعتادوا تأجيل الادخار والإنفاق على أساس توقعات متفائلة للمستقبل، لافتاً إلى أن الاعتقاد بأن التخطيط للتقاعد يبدأ في الأربعينيات أو الخمسينيات من العمر هو من أكثر الأخطاء شيوعاً، فالواقع يشير إلى أن كل قرار مالي يتخذه الفرد منذ أول راتب يتقاضاه، يترك أثراً تراكمياً على جودة حياته بعد التقاعد.
ادخر قبل الإنفاق
وينصح حاطوم الشباب بتطبيق ما يُعرف بمبدأ "الادخار التلقائي"، بحيث يُقتطع جزء من الراتب فور تحويله إلى الحساب المصرفي، قبل أن يعتاد الشخص على إنفاقه، فنجاح هذه الطريقة يعود إلى أنها تقلل تأثير العواطف والقرارات اللحظية، وتجعل الادخار عادة مستمرة، داعياً الأفراد إلى إعادة تقييم خطتهم للتقاعد مرة كل ثلاث أو خمس سنوات، حيث أن التغيرات في سوق العمل والتضخم وأسعار الفائدة وحتى الظروف العائلية، قد تجعل الخطة الأصلية غير مناسبة بعد سنوات قليلة من إعدادها.
لا تكتفِ بالادخار
من جهته يقول الخبير المصرفي وإدارة الأصول جو رياشي، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن معظم الناس يختزلون التخطيط للتقاعد في سؤال واحد هو: "كم أحتاج من المال؟"، بينما السؤال الأكثر أهمية هو: "كيف سأستخدم هذا المال عندما أتوقف عن العمل؟"، فنجاح التقاعد لا يعتمد فقط على حجم الثروة المتراكمة، بل على الطريقة التي تُدار بها هذه الثروة بعد التقاعد، إذ أن سوء إدارة الأموال قد يؤدي إلى استنزافها حتى لو كانت كبيرة، في حين أن الإدارة الحكيمة قد تجعل مدخرات أقل تكفي لفترة أطول.
تقليص الالتزامات
ويؤكد رياشي أن الهدف من مرحلة ما قبل التقاعد، لا يقتصر على زيادة حجم الأموال والأصول، بل يشمل أيضاً تقليل الالتزامات، حيث أنه من الحكمة أن يستغل الأفراد السنوات الأخيرة من حياتهم المهنية في إعادة ترتيب أوضاعهم المالية، من خلال التخلص من الديون مرتفعة الفائدة، وتقليص الالتزامات الشهرية الثابتة مثل القروض الاستهلاكية وذلك قبل بلوغ سن التقاعد، لافتاً إلى أن كل التزام مالي يتم التخلص منه اليوم، يعني دخلاً أكبر متاحاً للإنفاق غداً، وهذا يمنح المتقاعد مرونة أوسع في مواجهة التضخم أو النفقات غير المتوقعة.
خطة التقاعد الناجحة
ويشدد رياشي على أن أفضل خطة للتقاعد، ليست تلك التي تحقق أعلى عائد استثماري، بل التي تمنح صاحبها شعوراً أكبر بالأمان والقدرة على مواجهة المفاجآت، فالتقاعد قد يمتد لثلاثة عقود أو أكثر، وهي فترة تتغير خلالها الأسواق والاقتصادات والظروف الشخصية مراراً، ولذلك فإن بناء خطة مرنة، ومراجعتها بشكل دوري والاستعداد للمتغيرات غير المتوقعة، يُعد أكثر أهمية على المدى الطويل من السعي وراء تحقيق أعلى الأرباح.
belbalady
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" سكاي عربية "


0 تعليق