belbalady.net هذا المقال بقلم بارعة الأحمر، صحافية وكاتبة سياسية لبنانية، والآراء الواردة أدناه تعبر عن رأيها ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة CNN.
تشكل زيارة الرئيس اللبناني جوزاف عون إلى واشنطن، المرتقبة خلال الشهر الجاري، محطة سياسية تتجاوز إطارها الدبلوماسي التقليدي، إذ تأتي في مرحلة حاسمة أعقبت التصعيد العسكري الممتد على الجبهة اللبنانية–الإسرائيلية منذ اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما تلاه من مواجهات بين إسرائيل وحزب الله، كما الحرب الأمريكية الاسرائيلية الإيرانية وتداعياتها. حيث يلقي هذا السياق الأمني والسياسي بثقله على مسار إعادة ترتيب العلاقة بين الدولة اللبنانية ومحيطها الإقليمي والدولي.
وتسعى واشنطن، وفق مقاربتها المعلنة، إلى الدفع نحو تثبيت ترتيبات أمنية جديدة في جنوب لبنان، تقوم على تعزيز دور الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، ولا سيما الجيش، لمنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. ويُنظر إلى اتفاق الإطار اللبناني–الإسرائيلي، الذي جرى التوصل إليه برعاية أمريكية، بوصفه إحدى أدوات هذا التحول، إذ يهدف إلى الانتقال من إدارة الصراع إلى ضبطه ضمن آليات أمنية مراقَبة دولياً، بما يشمل ترتيبات تدريجية للانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني وترسيخ وقف الأعمال العدائية.
وتكتسب الزيارة الرئاسية أهمية إستثنائية، كونها تأتي مع انطلاق آليات تنفيذ الاتفاق، بما في ذلك إنشاء لجان أمنية–عسكرية متعددة الأطراف وتفعيل قنوات المراقبة والتنسيق الميدانية في الجنوب، لتمكين الدولة اللبنانية من استعادة دورها السيادي في حصرية السلاح على كامل أراضيها، بعد عقود من التداخل بين المؤسسات الأمنية الرسمية وحزب الله كمجموعة مسلحة خارج إطار الدولة.
وفي المقابل، تنظر إيران، إلى الملف اللبناني من زاوية استراتيجية مختلفة تماما. فلبنان، في المقاربة الإيرانية، لا يزال جزءاً من منظومة التوازنات الإقليمية التي تشكلت خلال العقود الماضية. وتظهر التصريحات الصادرة عن المسؤولين الإيرانيين تمسكاً بدور طهران في المسارات التفاوضية المرتبطة بلبنان، سواء عبر التأكيد على استمرار دعمها لحزب الله، أو عبر الإشارة إلى أن لبنان ليس معزولاً عن التفاهمات الإقليمية الأوسع التي تحاول المفاوضات الأمريكية - الإيرانية صياغتها.
ويعكس هذا التباين في الرؤى جوهر التحدي المتمثل في استعادة لبنان لسيادته ولمنطق الدولة التي تحتكر القرار الأمني والسياسي والدبلوماسي، بدل موقعه كمساحة تداخل بين الدولة ومراكز نفوذ إقليمية تمتلك تأثيرًا مباشرًا على قرارات الحرب والسلم.
ومن هذا المنظور، لا يبدو الجدل حول اتفاق الإطار مجرد نقاش تقني يتعلق بآليات وقف إطلاق النار، بل يعكس مواجهة أعمق حول طبيعة الدولة اللبنانية نفسها. فالدولة الحديثة، وفق المفهوم الدستوري والقانون الدولي، تُقاس بقدرتها على احتكار استخدام القوة وتنظيم السياسة الخارجية عبر مؤسساتها الشرعية، وهو ما يبقى حتى اليوم موضع اختبار في الحالة اللبنانية.
في الداخل، تتباين المواقف السياسية بشكل حاد. فالرئاسة اللبنانية والحكومة تنظران إلى مسار المفاوضات باعتباره فرصة لإعادة تثبيت مرجعية الدولة في إدارة الملف الأمني، وربط أي تسوية مستقبلية بالانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان وتعزيز قدرات الجيش اللبناني وتمكينه من بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية. بينما يعارض حزب الله الاتفاق معتبرا أنه يعيد صياغة التوازنات القائمة بطريقة تمس بدور "المقاومة" ويمنح إسرائيل مكاسب استراتيجية.
بين هذين التصورين، يتحرك لبنان في مساحة دقيقة، حيث لا ينفصل البعد الداخلي عن التحولات الإقليمية والدولية. فالمفاوضات اللبنانية الاسرائيلية لا تتعلق بحدود جنوب لبنان وحسب، بل ترتبط بإعادة تشكيل أوسع للمنظومة الأمنية في الشرق الأوسط، التي تسعى الولايات المتحدة إلى تثبيتها عبر تقوية الدول المركزية، بينما تحاول إيران الحفاظ على نفوذها ضمن أذرع وشبكات إقليمية خارجة عن الدولة.
زيارة الرئيس اللبناني إلى واشنطن اختبار لقدرة الدولة اللبنانية على التحول من ساحة للتوازنات الإقليمية إلى فاعل سيادي كامل، في مواجهة مسعى إيران للحفاظ على ما تبقى من أوراق نفوذها في المنطقة.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" trends "










0 تعليق