فقد أعلن المجلس العسكري في مصراتة رفضه ما وصفه بأي ترتيبات سياسية تُفرض على الليبيين، معترضا كذلك على الأسماء المتداولة ضمن التصور الأميركي لإعادة تشكيل السلطة التنفيذية، معتبرًا أن أي مسار لا يستند إلى توافق ليبي يمثل مساسا بالسيادة الوطنية.
وتتجاوز أهمية هذا الموقف مضمون الاعتراض نفسه، إلى الجهة التي صدر عنها، إذ يمثل المجلس العسكري في مصراتة أحد أبرز مراكز الثقل العسكري والأمني في غرب ليبيا، بما يمنحه تأثيرًا واسعًا في موازين القوى داخل المنطقة الغربية، خصوصًا في الملفات المرتبطة بأمن العاصمة طرابلس وترتيبات المرحلة السياسية المقبلة.
ويأتي ذلك في وقت تتعدد فيه المبادرات المحلية والدولية لإنهاء الانسداد السياسي وسط تزايد القناعة بأن الأزمة الليبية لم تعد أزمة حكومات أو أشخاص، وإنما أزمة مرجعية سياسية تحدد من يمتلك حق إنتاج السلطة ومن يضع قواعد اللعبة السياسية ويضمن تنفيذ الاستحقاقات الشعبية.
من ينتج السلطة؟
خلال 15 عاما، شهدت ليبيا سلسلة طويلة من الاتفاقات والمبادرات السياسية، نجحت في تشكيل سلطات انتقالية متعاقبة، لكنها لم تتمكن من تأسيس قواعد مستقرة لتنظيم تداول السلطة بصورة سلمية ودائمة.
وتكشف التطورات الأخيرة أن ليبيا دخلت بالفعل مرحلة جديدة عنوانها التنافس على قواعد اللعبة السياسية نفسها حيث لم يعد الخلاف يدور حول الحكومة المقبلة أو أسماء المسؤولين بل حول الجهة التي تمتلك حق وضع قواعد الانتقال السياسي وتحديد مصدر الشرعية والإشراف على تنفيذ الاستحقاقات .
وفي ظل هذا المشهد، تبدو معركة المرجعيات أكثر حسماً من معركة السلطة ذاتها لأن الجهة التي تنجح في فرض قواعد إنتاج السلطة ستكون عمليا صاحبة التأثير الأكبر في رسم ملامح الدولة الليبية خلال السنوات المقبلة بينما سيظل أي اتفاق لا يحسم سؤال المرجعية معرضًا لإعادة إنتاج دوامة الانقسام مع كل استحقاق سياسي جديد.
أزمة المرجعية قبل أزمة المؤسسات
يرى مراقبون أن الانقسام المؤسسي بين الحكومات والأجسام السياسية ليس أصل الأزمة بل نتيجة مباشرة لغياب مرجعية سياسية موحدة تحظى باعتراف جميع الأطراف.
فمنذ عام 2011 تعاقبت الحوارات الوطنية والاتفاقات الأممية والمبادرات الإقليمية والدولية، إلا أن معظمها انشغل بتشكيل سلطات انتقالية أكثر من اهتمامه ببناء قواعد دائمة لإدارة تداول السلطة.
ومع كل محطة سياسية كان الخلاف يتكرر بصورة مختلفة إذ تعود قضية الشرعية إلى الواجهة قبل مناقشة أسماء المسؤولين أو توزيع المناصب وهو ما جعل أغلب التسويات عرضة للاهتزاز بمجرد تغير موازين القوى أو تبدل مواقف الفاعلين المحليين والدوليين.
ثلاث مرجعيات تتنافس
وفي المشهد الليبي الراهن تبدو ثلاث مرجعيات رئيسية تتنافس على قيادة المرحلة المقبلة، ولكل منها تصور مختلف لمصدر الشرعية وآليات إنتاج السلطة.
فالمقاربة الأميركية تنطلق من اعتبار استمرار الانقسام السياسي تهديدًا مباشرًا للاستقرار الإقليمي في ظل ارتباط ليبيا بأمن الطاقة والهجرة غير النظامية وأمن البحر المتوسط والتنافس الدولي في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل.
ومن هذا المنطلق تبدو واشنطن أكثر ميلًا إلى الدفع نحو تفاهمات مباشرة بين القوى الليبية المؤثرة، مدعومة بضمانات سياسية وأمنية واقتصادية تقلل فرص انهيار أي اتفاق.
في المقابل تتمسك الأمم المتحدة بدورها باعتبارها المرجعية الدولية المعترف بها لإدارة العملية السياسية وترى أن أي تسوية تحتاج إلى مظلة أممية تمنحها الشرعية القانونية والاعتراف الدولي وتوفر آليات لمتابعة تنفيذ الالتزامات بين الأطراف.
أما المؤسسات الليبية فتتبنى رؤية تقوم على أن إنتاج السلطة يجب أن يظل شأنا ليبيا خالصا، ينطلق من توافق المؤسسات الدستورية والقوى الوطنية باعتبار أن الحلول التي تُصاغ خارج الداخل الليبي تظل أكثر هشاشة عند أول اختبار سياسي أو أمني.
لماذا تتحرك واشنطن الآن؟
يتزامن الحراك الأميركي مع تحولات إقليمية ودولية جعلت ليبيا تتجاوز موقعها التقليدي كدولة منتجة للنفط، لتصبح نقطة ارتكاز في ملفات أمن البحر المتوسط والهجرة والتنافس الجيوسياسي في أفريقيا.
كما يتزامن مع تصاعد الاهتمام الأميركي بإعادة ترتيب مناطق النفوذ في القارة الإفريقية في ظل اتساع الحضور الروسي وتنامي النفوذ الصيني، إلى جانب التطورات الأمنية المتسارعة في منطقة الساحل.
ويرى مراقبون أن واشنطن انتقلت من مرحلة دعم المسار الأممي إلى محاولة لعب دور أكثر فاعلية في صياغة البيئة السياسية التي ستنتج السلطة المقبلة انطلاقا من قناعة بأن استمرار الجمود الليبي لم يعد يمثل أزمة داخلية فقط، بل تحول إلى تحد استراتيجي يرتبط بمصالحها الإقليمية والدولية.
ومن هنا، ينظر البعض إلى المبادرة الأميركية باعتبارها محاولة لإعادة هندسة قواعد العملية السياسية، وليس مجرد مبادرة لتغيير الحكومة أو استبدال شخصيات بأخرى.
أزمة الضمانات
إلى جانب الجدل حول المرجعية تبرز معضلة أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في غياب الضمانات التنفيذية.
فالتجربة الليبية شهدت توقيع عدد كبير من الاتفاقات السياسية التي انهارت بسبب غياب آليات واضحة للإلزام والتنفيذ، أو نتيجة تغير موازين القوى على الأرض.
ولذلك، لم يعد السؤال المطروح اليوم يتعلق فقط بمن يكتب الاتفاق وإنما بمن يضمن احترامه ومن يمتلك القدرة على إلزام الأطراف بتنفيذه عندما تتعارض الالتزامات السياسية مع الحسابات العسكرية أو الاقتصادية.
مبادرة بولس.. ضمانة التنفيذ
ويرى الدكتور يوسف الفارسي، أستاذ العلوم السياسية الليبي، أن المبادرة الأميركية يمكن اعتبارها خطوة يمكن البناء عليها لإخراج البلاد من حالة الانسداد السياسي التي طال أمدها خاصة بعد أن أثبتت السنوات الماضية أن الأجسام السياسية القائمة قد استنفدت كل فرصها ولم تعد قادرة على إنجاز الاستحقاقات الوطنية التي ينتظرها الشعب الليبي وفي مقدمتها إجراء الانتخابات وتوحيد مؤسسات الدولة.
وأضاف في تصريحات لسكاي نيوز عربية أن ليبيا تقف اليوم أمام مرحلة مصيرية وتاريخية، ولم يعد هناك مجال لإهدار المزيد من الوقت في إعادة إنتاج المراحل الانتقالية أو تدوير الأزمات السياسية. فاستمرار الوضع الراهن لا يخدم إلا الفوضى والانقسام، ويؤخر بناء الدولة ويزيد من معاناة المواطنين على المستويات الاقتصادية والأمنية والخدمية.
وأشار إلى أن أي حل لا ينتهي بصندوق الاقتراع وإرادة الشعب سيظل حلا مؤقتا وغير قادر على تحقيق الاستقرار الدائم، مؤكدا أن الشرعية الحقيقية لا تُمنح إلا من الشعب، وأن الانتخابات هي السبيل الديمقراطي الوحيد لإنهاء الأزمة وإعادة بناء الدولة الليبية على أسس دستورية ومؤسسية راسخة.
المسار الأممي لا بد أن يستكمل
ومن جانبها، ترى عضو الحوار المُهيكل حواء زايد، أن المسار الأممي لا بد أن يستكمل لنهايته باعتباره الضمانة على تغيير حقيقي في المشهد السياسي الليبي لافتة إلى أن التوصيات النهائية للحوار المُهيكل تضمنت مطالب الليبيين الحقيقية التي تمثل أولوية لفئات واسعة من المواطنين.
وأضافت في تصريحات لسكاي نيوز عربية أن هذا المسار سيغير المشهد الليبي بفضل الملكية الليبية للحوار من خلال مشاركة أكثر من 160 شخصية وطنية ليبية إضافة إلى الدعم المجتمعي والدولي الذي حظي به.
وأكدت أن النقاش تناول جميع النقاط الخلافية ولا بد من استكمال هذا المسار حتى لا يتحول الجهد المبذول إلى مجرد توصيات غير قابلة للتنفيذ مشيرة إلى أن النقطة الفاصلة تتمثل في القدرة على تحويل المخرجات إلى إجراءات ملموسة على أرض الواقع، لأن أي مسار لا يضمن تنفيذ مخرجاته سيواجه خطر التوقف عند حدود التوافقات النظرية.
الحل الليبي الليبي
وفي المقابل يدافع الخبير السياسي الليبي أنور ياسين عن خارطة طريق الرئاسات الثلاث معتبرا أنها تمثل مخرجًا آمنًا نحو الانتخابات وفرصة تاريخية للاستقرار مشددا على أنها الخيار الوطني وتجسيد حقيقي لمبدأ "الحل الليبي الليبي".
وقال في تصريحات لسكاي نيوز عربية إن الحل لا يمكن أن يأتي من الخارج بل يجب أن ينطلق من الداخل الليبي مؤكدا أن المؤسسات الوطنية هي السبيل الوحيد لإعادة الشرعية للدولة.
وأضاف أن خارطة الطريق أصبحت وثيقة عملية ذات أفق زمني محدد وآليات تنفيذية واضحة، وهو ما يحسم سنوات من الجدل، ويضع المناصب السيادية ضمن إطار توافقي قابل للتنفيذ، بما يسمح ببناء خطة انتقالية متكاملة.
ونبه إلى أن تعدد المبادرات الدولية، رغم مساهمته في خلق مناخ ضاغط باتجاه الحل، يؤدي في المقابل إلى زيادة التنافس على النفوذ والمصالح الأمر الذي يعرقل الوصول إلى تسوية مستقرة، مؤكدا أن الحل الوحيد القابل للاستمرار هو الحل الداخلي الذي يحظى بإجماع وطني.
وشدد على أن معركة المرجعيات ستؤثر بصورة مباشرة في مستقبل ليبيا خلال السنوات المقبلة لأن الطرف الذي ينجح في فرض قواعد اللعبة السياسية سيكون الأقدر على رسم ملامح الدولة الليبية بينما سيظل أي اتفاق لا يحسم مسألة المرجعية معرضًا لإعادة إنتاج الانقسام مع كل استحقاق سياسي جديد.
belbalady
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" سكاي عربية "




0 تعليق