تطورت استجابة الإنسان لحالة التوتر للتعامل مع التهديدات الجسدية المباشرة، وعلى مدار معظم تاريخ البشرية، كان الخطر يميل إلى أن يكون شديدًا وقصير الأمد -كوجود حيوان مفترس قريب، أو خطر بيئي، أو صراع مع جماعة بشرية أخرى. في تلك اللحظات، لم تكن أولوية الدماغ الراحة، بل البقاء.
وعندما يستشعر الدماغ وجود تهديد، تبدأ منطقة تُسمى اللوزة الدماغية استجابة الجسم الكلاسيكية للقتال أو الهروب. تُفرز هرمونات التوتر، بما في ذلك الأدرينالين والكورتيزول. يزداد معدل ضربات القلب، ويتسارع التنفس، ويزداد التركيز. تُحوّل الطاقة من مهام الصيانة طويلة الأمد إلى العمل الفوري.
هذه الاستجابة لمشاعر القلق مفيدة للغاية - إذا كنت تحاول النجاة من نمر مفترس - لكنها أقل فائدة بكثير عندما يكون "التهديد" عبارة عن بريد إلكتروني ممتلئ أو ضغوط مالية متزايدة.
الضغوطات الحديثة قوية نفسيًا، لكنها غريبة بيولوجيًا، فعلى عكس الحيوانات المفترسة، نادرًا ما تُحل بسرعة. تستمر رسائل البريد الإلكتروني في الوصول. ويلاحقنا العمل إلى المنزل عبر الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر المحمولة. تُنشئ وسائل التواصل الاجتماعي سيلًا متواصلًا من المقارنات الاجتماعية واليقظة الدائمة، وحتى أوقات الفراغ أصبحت مُتقطعة بشكلٍ غريب، تُقاطعها الإشعارات والرسائل، وغالبًا ما يُصاحبها توقع التواجد الدائم.
نتيجةً لذلك، قد تبقى أجزاء الدماغ المسؤولة عن اليقظة مُنشطة جزئيًا لفترات طويلة. وهذا أمرٌ بالغ الأهمية، لأن النوم ليس مجرد غياب اليقظة، النوم يتطلب من الدماغ خفض مستوى اليقظة والتوتر بشكلٍ فعّال. عادةً ما تُبقينا شبكة من مراكز اليقظة في جذع الدماغ والوطاء والدماغ الأمامي مُستيقظين ومنتبهين خلال النهار. وللانتقال إلى النوم، يجب أن تهدأ هذه الأنظمة.
وطأة الإجهاد المزمن
لكن تحت وطأة الإجهاد المُزمن، قد يُصبح الدماغ عالقًا في حالة فرط اليقظة. حتى عندما يكون الجسم مُنهكًا، يستمر الدماغ في المسح والتوقع والتدرب. من منظور تطوري، يبدو هذا منطقيًا إلى حدٍ ما. فإذا كان المحيط يبدو مُهددًا أو غير مُستقر، فقد لا يبدو الانقطاع التام عن الإنترنت آمنًا.
وأحد أسباب الشعور بعدم الراحة في هذه الحالة هو أن الإرهاق الجسدي واليقظة الذهنية يخضعان لسيطرة أنظمة متداخلة ولكنها منفصلة جزئيًا. قد تحتاج عضلاتك بشدة إلى الراحة بينما يستمر دماغك في إنتاج حالة من اليقظة الناتجة عن التوتر. والنتيجة هي ذلك التناقض الغريب الذي يعرفه الكثيرون جيدًا، وهو الشعور بالتعب الجسدي وتسارع الأفكار.
دور الكورتيزول
يلعب الكورتيزول أيضًا دورًا مهمًا. في الظروف الطبيعية، يتبع الكورتيزول إيقاعًا يوميًا، حيث ترتفع مستوياته في الصباح لتعزيز اليقظة، ثم تنخفض تدريجيًا مع حلول الليل، ويمكن أن يؤدي التوتر المزمن إلى تعطيل هذا النمط، مما يجعل الجسم نشطًا حتى وقت متأخر من المساء.
وتشير بعض الدراسات إلى أن الأشخاص الذين يعانون من الأرق يُظهرون نشاطًا أيضيًا وعصبيًا مرتفعًا حتى أثناء محاولتهم النوم - كما لو أن الدماغ في حالة خمول شديد. قد تُفاقم الحياة العصرية هذه المشكلة بطرق لم يتطور جهازنا العصبي للتعامل معها.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" النبأ "

















0 تعليق