05:59 م - الخميس 30 يوليو 2026
0
الذكاء الاصطناعي لم يعد خيارًا مستقبليًا في القطاع المصرفي، بل واقعًا قائمًا. بنك واحد وفّر 1.5 مليار دولار من الذكاء الاصطناعي في أقل من عام. رقم آخر يقول إن البنوك التي توظف الذكاء الاصطناعي الوكيل بفعالية ستحصل على حصة سوقية أكبر بنسبة 15%. السؤال لم يعد "هل نستثمر في الذكاء الاصطناعي؟"، بل "كم سنة متبقية قبل أن يعيد منافسونا تعريف السوق من دوننا؟"
عشت مرحلة التحول الرقمي عن قرب، وقدت مشاريعها في أكثر من مؤسسة مصرفية، فلمست بنفسي أنها لم تكن تحديثًا للأدوات، بل تغييرًا جذريًا في طريقة إدارة الأعمال. واليوم، الذكاء الاصطناعي يفتح مرحلة أعمق أثرًا: قادر على إضافة مئات المليارات من الدولارات سنويًا للقطاع المصرفي عالميًا، عبر تنمية الإيرادات وخفض المصروفات، مع تحسين إدارة المخاطر والإنتاجية كأثر مصاحب لا كهدف أساسي.
من التجربة: أين يصنع الذكاء الاصطناعي فارقًا حقيقيًا في العمل المصرفي؟
منذ أن أسست منتجات التمويل الاستهلاكي في السوق المصري عام 1998، حين كانت هذه المنتجات في مراحلها الأولى ولم تكن بعد جزءًا أساسيًا من نموذج عمل البنوك، وحتى قيادتي لتحويل أكثر من محفظة مصرفية كانت ضعيفة في نشاط التجزئة وغير منافسة في السوق إلى الأسرع نموًا فيه، ومساهمتي في تحويل أكثر من مؤسسة مصرفية من لاعب محدود التأثير في السوق إلى أحد المحركات الرئيسية له، تعلمت أن أكبر عائق أمام نمو التمويل الاستهلاكي ليس نقص الطلب، بل صعوبة تقييم المخاطر بدقة وسرعة كافية.
وهنا بالتحديد يصنع الذكاء الاصطناعي أكبر فارق في مجال الائتمان، تحل نماذج الذكاء الاصطناعي محل النماذج التقليدية القائمة على عدد محدود من المتغيرات، وتعتمد بدلًا من ذلك على تحليل بيانات سلوكية وبديلة تتيح تقييم عملاء لا يملكون سجلًا ائتمانيًا تقليديًا. وهذا تحديدًا ما يفتح الباب أمام شريحة واسعة من العملاء غير المخدومين مصرفيًا، وهي شريحة أعرفها جيدًا من خلال عملي على مفاهيم الدخل البديل في بداية مسيرتي، حين كنا نبتكر يدويًا ما تقوم به نماذج الذكاء الاصطناعي اليوم بدقة أعلى وفي ثوانٍ معدودة.
وهنا نقطة يغفلها كثيرون: تحسّن إدارة المخاطر بفضل الذكاء الاصطناعي ليس هدفًا في حد ذاته. إنه أداة تمنح البنك الجرأة على التوسع. كل دقة إضافية في رصد التعثر تعني هامش أمان أقل حذرًا، وهامش نمو أكبر. شرائح وقطاعات ومنتجات كانت تُعتبر مخاطرة غير مبررة تصبح فرصة عمل حقيقية. الأثر التجاري الحقيقي هنا ليس تقليل الخسائر، بل توسيع حدود "من يستحق أن يُخدم" من الأساس.
البيانات وحدها لا تصنع قيمة
تمتلك البنوك كميات هائلة من المعلومات عن العملاء، لكن القيمة الحقيقية لا تكمن في امتلاك البيانات بحد ذاتها، بل في القدرة على تحويلها إلى قرارات أكثر دقة وسرعة. ومن خلال تحليل السلوك المالي وتوقع الاحتياجات المستقبلية، يمكن تقديم المنتج المناسب للعميل المناسب في التوقيت المناسب، بما يرفع معدلات البيع المتبادل وهو مفهوم عملت على ترسيخه في السوق المصري منذ أكثر من عشرين عامًا ويزيد من فرص الاحتفاظ بالعملاء وتعظيم قيمة العلاقة المصرفية.
وما يغيّره الذكاء الاصطناعي جوهريًا هنا هو الانتقال من البيع المتبادل التفاعلي، القائم على استجابة البنك لطلب العميل، إلى البيع المتبادل الاستباقي القائم على توقّع الحاجة قبل أن يعبّر عنها العميل نفسه. وهذا يفتح مصادر إيرادات لم تكن موجودة أصلًا في نموذج العمل التقليدي: تسعير ديناميكي يتكيف مع ملف كل عميل، وتصميم منتجات هجينة (ادخار مرتبط بتمويل، تأمين مرتبط ببطاقات) تُبنى بناءً على تحليل الأنماط لا التخمين، وقنوات إحالة ذكية بين وحدات العمل داخل البنك الواحد كانت تعمل تاريخيًا بمعزل عن بعضها.
كل موظف يبيع أكثر: كيف يتحول التوفير التشغيلي إلى قوة بيعية إضافية
بدأت مؤسسات مالية عالمية كبرى في توظيف المساعدات الذكية لدعم الموظفين في إعداد التقارير وتحليل البيانات وصياغة المراسلات وتلخيص السياسات والإجراءات. وتشير بعض الدراسات إلى أن هذه التقنيات قادرة على رفع إنتاجية العاملين في الوظائف المعرفية بنسبة تتراوح بين 20% و40%. لكن القيمة التجارية الحقيقية لهذا الرقم، من واقع خبرتي في إعادة هيكلة الشبكة الفرعية ونماذج المبيعات، ليست في توفير التكلفة وحدها، بل في تحرير وقت الموظف الأمامي مسؤول العلاقات، موظف الفرع، فريق المبيعات — من الأعمال الإدارية الروتينية ليعيد توجيهه نحو النشاط الذي يولّد إيرادات فعليًا: بناء العلاقة مع العميل، تقديم استشارة مالية حقيقية، وإغلاق فرص بيع كانت تُفقد سابقًا بسبب ضغط الأعباء التشغيلية. وفي بنك يضم عشرة آلاف موظف أو أكثر، هذا التحول في توزيع الوقت يعادل عمليًا إضافة قوة بيعية كاملة دون تكلفة توظيف إضافية.
خدمة العملاء: من القناة الرقمية إلى التجربة الذكية
يفتح الذكاء الاصطناعي المجال أمام تقديم خدمات أكثر سرعة ودقة وتخصيصًا، بما يمنح البنوك القدرة على التعامل مع أعداد كبيرة من الاستفسارات والطلبات على مدار الساعة دون الإخلال بجودة التجربة المصرفية أو زيادة الأعباء التشغيلية. لكن الفارق بين تجربة ناجحة وأخرى مخيبة للآمال لا يكمن في التقنية نفسها، بل في مدى دمجها الذكي مع نقاط التماس الإنسانية التي ما زالت ضرورية في اللحظات الحرجة من رحلة العميل.
الخطأ الأكبر: التعامل مع الذكاء الاصطناعي كمشروع تقني
في تقديري، فإن أكبر خطأ قد تقع فيه البنوك اليوم هو التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره مشروعًا تكنولوجيًا فقط. فالتكنولوجيا يمكن شراؤها، أما الميزة التنافسية الحقيقية فتتحقق عندما تعيد المؤسسة تصميم عملياتها ونموذج أعمالها وآليات اتخاذ القرار بما يتوافق مع الإمكانات الجديدة التي توفرها هذه التقنيات. ومن واقع قيادتي لأكثر من عملية تحول مؤسسي، فإن نجاح أي مشروع تقني كبير يعتمد بنسبة أكبر على إعادة تصميم العمليات وتأهيل الكوادر البشرية، مقارنة بالاستثمار في التقنية ذاتها.
فرص مخفية يغفلها كثيرون
إلى جانب الاتجاهات الرئيسية التي تعيد تشكيل القطاع، تبرز مجموعة من الفرص العملية التي لا تزال تحظى باهتمام أقل، رغم ما توفره من إمكانات كبيرة للنمو :
-
بناء نماذج بديلة للتقييم الائتماني أصبح أحد أبرز الفرص للوصول إلى العملاء غير المخدومين، خاصة أن شريحة كبيرة منهم تمتلك مصادر دخل لكنها تفتقر إلى سجل رقمي كافٍ لإثباتها.
-
تمويل التجار الصغار يعد من أكثر القطاعات الواعدة، في ظل الاعتماد على بيانات معاملات فعلية أكثر دقة وتحديثًا، مع استمرار محدودية المنافسة على هذه الشريحة في العديد من الأسواق الناشئة.
-
التسعير الديناميكي على منتج واحد يتيح بناء حالة أعمال (Business Case) عملية، يمكن الاستناد إليها في التوسع التدريجي عبر بقية المنتجات.
-
الشراكات المبكرة مع منصات التجارة الإلكترونية وخدمات التوصيل تمنح المؤسسات أفضلية تنافسية، بينما يؤدي تأخير بنائها إلى فقدان فرص وحصص سوقية لصالح المنافسين.
وتبرز مصر كواحدة من أبرز الأسواق التي تعكس هذه الفرص، مدعومة بقاعدة سكانية كبيرة وتقدم متسارع في جهود الشمول المالي. ورغم هذا الزخم، لا تزال المنافسة على الشرائح غير المخدومة أقل من حجم الفرصة المتاحة، بما يفتح المجال أمام المؤسسات القادرة على الابتكار وبناء نماذج أعمال أكثر كفاءة لقيادة المرحلة المقبلة من نمو القطاع.
التوقع: حدود المنافسة القادمة
أعتقد أن المنافسة خلال السنوات الخمس المقبلة لن تكون بين بنوك تستخدم الذكاء الاصطناعي وأخرى لا تستخدمه، بل بين مؤسسات تكتفي بتحسين عملياتها الحالية، وأخرى تعيد بناء نموذج أعمالها بالكامل انطلاقًا من الإمكانات التي يتيحها الذكاء الاصطناعي. وفي الأسواق الناشئة تحديدًا، حيث لا تزال نسبة كبيرة من السكان خارج المنظومة المصرفية الرسمية، أرى أن الذكاء الاصطناعي قد يكون الأداة الأكثر فعالية لتحقيق الشمول المالي على نطاق واسع، من خلال خفض تكلفة خدمة العملاء الصغار وتحسين دقة تقييم مخاطرهم في آن واحد.
وهذا ليس تصورًا نظريًا؛ فتجربة Nubank في البرازيل تقدم مثالًا مباشرًا على ذلك: فبدلًا من الاعتماد على السجل الائتماني التقليدي غير المتوفر لملايين العملاء في أمريكا اللاتينية، بنى البنك نماذج ذكاء اصطناعي تحلل بيانات سلوكية وبديلة — من أنماط استخدام الهاتف إلى سلوك الدفع لتقييم الجدارة الائتمانية في ثوانٍ، وهو ما مكّنه من التوسع بسرعة كبيرة ليصبح أحد أكبر البنوك الرقمية عالميًا، بالاعتماد على شريحة كانت البنوك التقليدية تستبعدها. وفي نيجيريا، اتبعت شركة MoniePoint منطقًا مشابهًا على مستوى الشركات الصغيرة: إذ تستخدم نماذج تحلل بيانات المعاملات الفعلية للتاجر بدلًا من القوائم المالية التقليدية غير المتاحة أو غير الموثوقة، لتقييم مخاطر الإقراض وبناء منظومة مالية متكاملة حول شريحة كانت مهمشة تمامًا من القطاع المصرفي الرسمي.
كلا المثالين يترجمان بدقة الفكرة التي طرحتها من واقع خبرتي في التمويل الاستهلاكي: أن الذكاء الاصطناعي لا يحسّن فقط تقييم المخاطر لدى العملاء الحاليين، بل يعيد تعريف من هو «العميل القابل للخدمة» من الأساس — وهذا هو جوهر التوسع الحقيقي في قاعدة العملاء.
3 اتجاهات ستحدد من سيفوز في السباق المصرفي القادم
إذا كان الشمول المالي هو الوجه الأول للتوسع، فإن الوجه الثاني الأكثر عمقًا في تقديري هو تحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة لتحسين الخدمة إلى منصة لإعادة تشكيل حدود السوق نفسها. ومن واقع خبرتي في قيادة عمليات إعادة هيكلة الشبكة الفرعية ونماذج المبيعات، أرى ثلاثة اتجاهات ستحدد شكل التوسع المصرفي خلال السنوات القادمة:
الاتجاه الأول هو ما يمكن تسميته «العلاقة المصرفية دائمة الحضور»، حيث لا يعود دور الذكاء الاصطناعي مقتصرًا على الرد على استفسارات العميل، بل يتحول إلى وكيل ذكي يتفاوض على منتجات مخصصة في الوقت الفعلي، موازنًا بين تفضيلات العميل وضوابط المخاطر والالتزام التنظيمي للبنك. ووفقًا لتقرير حديث لشركة Finastra لعام 2026، فإن الذكاء الاصطناعي الوكيل سيدفع بزيادة تصل إلى 20% في الكفاءة التشغيلية، وأن البنوك التي توظفه بفعالية ستحقق حصة سوقية أكبر بنسبة 15% — وهو فارق كافٍ لإعادة ترتيب موازين القوة التنافسية بين المؤسسات خلال دورة اقتصادية واحدة فقط.
الاتجاه الثاني هو التوسع عبر الشراكات لا عبر الفروع؛ فالذكاء الاصطناعي يتيح للبنوك تضمين خدماتها المالية داخل منصات ومنظومات غير مصرفية (Embedded Finance) بتكلفة تشغيلية أقل بكثير من التوسع التقليدي عبر فتح فروع جديدة، وهو نموذج أرى أنه الأنسب للأسواق التي تتسم بكثافة سكانية عالية وتكلفة بنية تحتية مرتفعة وهي سمة مشتركة بين كثير من الأسواق الناشئة، بما فيها السوق المصري.
أما الاتجاه الثالث، والأهم في تقديري، فهو التوسع الإقليمي وعابر الحدود بتكلفة أقل: فأنظمة الامتثال ومكافحة غسل الأموال المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقلل بشكل كبير من العبء التشغيلي والتنظيمي الذي كان يمثل تاريخيًا أكبر عائق أمام دخول البنوك إلى أسواق جديدة، ما يفتح الباب أمام مؤسسات إقليمية لا العالمية الكبرى فقط للتوسع خارج حدودها التقليدية.
وفي المحصلة، أرى أن السباق القادم لن يكون على من يقدم أفضل تجربة رقمية، بل على من يعيد تعريف حدود «قابلية الخدمة» نفسها — أي من هو العميل، وأين يقع، وبأي نموذج تكلفة يمكن الوصول إليه. وهذه هي بالضبط المعركة التي عشتها من الداخل حين حوّلنا مفاهيم كانت تُعتبر هامشية في السوق المصري إلى ركائز أساسية لنمو القطاع، والفارق الوحيد اليوم أن الذكاء الاصطناعي يتيح تنفيذ هذا التحول بسرعة وحجم لم يكونا متاحين من قبل.
ومن هنا أرى أن الذكاء الاصطناعي لا يمثل مجرد مرحلة جديدة في رحلة التطور التكنولوجي للقطاع المصرفي، بل قد يكون الفرصة الاقتصادية الأهم التي شهدتها البنوك منذ انطلاق عصر الخدمات المصرفية الرقمية، والوسيلة الأكثر تأثيرًا لإعادة تشكيل الربحية والنمو والقدرة التنافسية خلال العقد القادم.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" بنكي "

















0 تعليق