مع اقتراب انتخابات الاتحاد السعودي لكرة القدم، تتجه الأنظار إلى واحدة من أهم المحطات التي ستحدد مستقبل كرة القدم السعودية، في مرحلة لم تعد فيها الطموحات تقتصر على تحقيق البطولات، بل باتت ترتبط بمشروع رياضي وطني كبير، يتطلع إلى صناعة كرة قدم سعودية أكثر تنافسية وتأثيراً وحضوراً على الساحة العالمية.
في هذه المرحلة المفصلية، تقع على عاتق المشاركين في الانتخابات مسؤولية تاريخية تتجاوز مجرد اختيار اسم لرئاسة الاتحاد؛ فالمطلوب هو اختيار رئيس قادر على صناعة الفارق، وامتلاك رؤية واضحة، وإلهام الجماهير واللاعبين والأندية، وتحويل الطموحات السعودية إلى إنجازات ملموسة.
كرة القدم السعودية اليوم لا تحتاج إلى رئيس يدير الملفات اليومية فحسب، وإنما تحتاج إلى شخصية قيادية تمتلك الخبرة الرياضية والإدارية، وتعرف تفاصيل اللعبة، وتدرك طبيعة المرحلة ومتطلباتها، وتتمتع بالكاريزما والحضور والقدرة على التواصل مع مختلف الأطراف، من الأندية واللاعبين والأجهزة الفنية إلى الجماهير والإعلام والشركاء والمستثمرين.
الرئيس القادم يجب أن يكون رئيساً للمشروع، وليس رئيساً للاتحاد فقط.
فالمرحلة القادمة تتطلب قيادة تستطيع أن تستثمر ما تحقق خلال السنوات الماضية، وأن تبني عليه بخطوات أكثر طموحاً، خصوصاً مع الاستحقاقات الكبرى التي تنتظر المملكة، وفي مقدمتها استضافة كأس العالم 2034، وما يفرضه ذلك من مسؤوليات كبيرة لتطوير المنتخبات، والارتقاء بالمسابقات، وتأهيل الكوادر الوطنية، وتوسيع قاعدة الممارسة، وتعزيز الحضور السعودي عالمياً.
ومن هنا، فإن أصوات الناخبين يجب أن تذهب إلى الأكثر قدرة على تحقيق أحلام الجماهير السعودية، لا إلى الحسابات الضيقة أو الانتصار الانتخابي، باعتباره غاية في حد ذاته. فالفائز الحقيقي في هذه الانتخابات ليس المرشح الذي يحصل على أكبر عدد من الأصوات فقط، وإنما كرة القدم السعودية التي يجب أن تخرج من هذه التجربة بقيادة قادرة على توحيد الجهود وتحقيق الإنجازات.
وهنا تبرز مسؤولية أخرى لا تقل أهمية عن اختيار الرئيس، وهي مسؤولية الرئيس الفائز نفسه. فبعد إعلان النتائج، يجب أن تنتهي المنافسة الانتخابية وتبدأ مرحلة العمل الجماعي. والخطوة الأكثر حكمة ستكون أن يمد الرئيس المنتخب يده إلى منافسيه الذين لم يحالفهم الحظ، وأن يستفيد من خبراتهم وأفكارهم وعلاقاتهم ورؤاهم، بدلاً من أن تتحول الانتخابات إلى نهاية لدورهم.
المنافس الذي لم يفز في الانتخابات لا يعني أنه خسر قيمته وخبرته.
قد يمتلك أحد المنافسين خبرة إدارية مميزة، ويحمل آخر رؤية فنية متقدمة، فيما يمتلك ثالث شبكة واسعة من العلاقات الرياضية والاستثمارية والإعلامية. وكل هذه الخبرات يجب ألا تهدر بمجرد انتهاء الاقتراع، بل ينبغي أن تتحول إلى قوة إضافية تخدم الاتحاد والمنتخبات والأندية وكرة القدم السعودية بأكملها.
ومن هنا، فإن الرئيس القادم يستطيع أن يكتب فصلاً جديداً في تاريخ الاتحاد السعودي لكرة القدم، إذا نجح في تشكيل فريق عمل وطني واسع يضم أفضل الخبرات من مختلف المرشحين والتيارات والمدارس الإدارية والفنية، ويجعل معيار الاختيار هو الكفاءة والقدرة على الإنجاز، لا المواقف الانتخابية السابقة.
الجماهير السعودية لا تنتظر صراعاً بين المرشحين بعد الانتخابات، وإنما تنتظر اتحاداً قوياً، ورؤية واضحة، وقرارات جريئة، ومنتخبات تنافس، ومسابقات تتطور، وكرة قدم تليق بحجم المملكة وطموحاتها.
إن انتخابات الاتحاد السعودي لكرة القدم ليست مجرد سباق للوصول إلى كرسي الرئاسة، بل فرصة تاريخية لاختيار القيادة التي تستطيع أن تقود المرحلة القادمة بثقة وطموح، وأن تجمع ولا تفرق، وأن تستفيد من الجميع ولا تستبعد أحداً.
اختيار الرئيس مسؤولية.. ونجاحه مسؤولية الجميع
ولذلك، فإن الرسالة الأهم للمشاركين في الانتخابات هي: اختاروا الرئيس الذي ترونه قادراً على إلهام كرة القدم السعودية، وصناعة مستقبلها، وتحقيق تطلعات جماهيرها. أما الرئيس الذي سيحظى بثقة الجمعية الانتخابية، فعليه أن يدرك أن الفوز ليس نهاية المنافسة، بل بداية المسؤولية؛ وأن أفضل انتصار يمكن أن يحققه هو أن يحول منافسي الأمس إلى شركاء في صناعة مستقبل كرة القدم السعودية.
إن المرحلة القادمة تتطلب الاستفادة الجادة من أخطاء الاتحاد السابق وتحويلها إلى دروس مستفادة؛ فكل الإمكانات والدعم المادي والمعنوي كانت متاحة، ومع ذلك لم يوفق الاتحاد السابق في تحقيق إنجازات نوعية تضاف إلى سجل الكرة السعودية أو تشفع له في تاريخها. لذلك، فإن التحدي اليوم لا يتمثل في توفير الموارد فحسب، بل في حسن توظيفها وإدارتها وتحويلها إلى نتائج وإنجازات ملموسة. وما تحتاجه الكرة السعودية هو قيادة ملهمة تمتلك رؤية واضحة، وتتعلم من أخطاء الماضي دون الوقوف عندها، وتعمل من خلال فريق متكامل من أصحاب الخبرات والكفاءات الإدارية والفنية والاستثمارية والإعلامية والقانونية، بما يضمن بناء منظومة احترافية قادرة على صناعة الإنجاز واستدامته.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" جريدة عكاظ "

