أخبار عاجلة

بالبلدي: محمد مازن يكتب: إلى عشاق القبح!

بالبلدي: محمد مازن يكتب: إلى عشاق القبح!
بالبلدي: محمد
      مازن
      يكتب:
      إلى
      عشاق
      القبح!

صديقي اتصل بي اليوم وهو مقهور.
صاحي من الصبح مهموم وحزين، لا يأكل، ولا يرد على الهاتف. اتصلت به أكثر من مرة، فلم يجب. قلت في نفسي: يا رب يكون حد من أهله ما حصله حاجة.
ضغطت عليه حتى رد.
قلت له: «مالك يا ابني؟ في إيه؟»
قال لي بصوت منكسر: «عشاق القبح في مصر قطعوا الشجرة».
سكت لحظة.
ثم انفجرت من الضحك.
قلت له: «شجرة إيه يا عم؟! هو إحنا ناقصين؟ الشجر كتير هنا، ربنا بيقطع من هنا ويوصل من هنا! إيه اللي مخليك قاعد من الصبح لا بتاكل ولا تشرب عشان شجرة؟»
كنت أغيظه طبعا.
أردت أن أخفف عنه.
أنا رجل مختلف عنه، لم أكن أعرف ماذا يمكن أن تفعل شجرة واحدة بكل هذا الإنسان.
قلت له ساخرا: «يعني هي البلد ناقصة شجر؟ ما يقطعوا الشجر كله، يا سيدي! المهم الطرق تتوسع، والكباري تتعمل، والمدينة تتطور. وبعدين إنت عايزنا نعيش في غابة؟»
وضَحك هو أيضا.
لكن بعد قليل سكتنا.
لأنني، وأنا أسخر منه، اكتشفت أنني في الحقيقة أسخر من شيء أكبر بكثير من شجرة.
أسخر من رجل حزن لأن شيئًا يحبه اختفى.
أسخر من إنسان شعر أن شارعًا كان يعرفه لم يعد كما كان.
أسخر من شخص رأى شجرة لا يعرف اسمها، وربما لم يزرعها، وربما لم يلمسها يومًا، لكنه كان يمر بجوارها كل صباح، فيراها تكبر وهو يكبر، ثم استيقظ ذات يوم فلم يجدها.
لماذا يبدو هذا مضحكًا؟
لماذا أصبحت فكرة أن يحزن أحد على شجرة شيئا يستحق السخرية؟
ربما لأننا اعتدنا القبح إلى درجة أننا لم نعد نراه.
فكرت في صديقي، وفي الشجرة التي أزعجته، وتذكرت أشجارًا رأيتها في مدن أخرى.
خلال سنوات اغترابي وزياراتي لمدن مختلفة، رأيت أشجارًا قديمة في أماكن تبدو فيها، بحساباتنا السريعة، عائقًا أمام طريق أو جسر أو مشروع جديد.
لكنني لم أرَ الجرافة تقترب منها لمجرد أن وجودها غير مريح.
رأيت طريقًا يتغير مساره.
ورأيت تصميمًا يتغير.
ورأيت مدينة تقول، بطريقة عملية جدا: يمكننا أن نبني الطريق، لكن ليس بالضرورة أن نقتل الشجرة.
في البداية كنت أتعامل مع الأمر باعتباره مجرد اختلاف في التخطيط.
ثم فهمت أنه ليس كذلك.
إنها مسألة نظرة.
هناك مجتمع يرى الشجرة جزءا من المكان، ومجتمع يرى المكان فارغا إلى أن تأتي الخرسانة لتملأه.
وهناك فرق هائل بين الاثنين.
ومع الوقت رأيت شيئًا جعلني أفهم المسألة بصورة أعمق.
رأيت أشجارا لا يتعامل معها الناس باعتبارها خشبا واقفا، وإنما باعتبارها جزءا من ذاكرتهم.
وفي أماكن مختلفة، رأيت أشجارا يترك الناس عليها أمنياتهم؛ شفاء، نجاح، زواج، عودة شخص، مستقبل أفضل لطفل.
قد تبدو الفكرة غريبة بالنسبة إلينا، لكنني أحببت معناها، فكرة أن الشخص يتعامل معها ككائن حي يأتمنه على شئ من قلبه لا يستطيع أن يقوله لأحد.
الشجرة ليست شجرة فقط.
إنها شاهد، ومكان، وذاكرة. وربما صديق لا يتكلم.
هناك ثقافات كثيرة، حملت الأشجار معاني تتجاوز الخشب والثمار والظل. شجرة "الكريسماس ارتبطت برمزية عيد الميلاد والحياة والأمل، وشجرة «بودي» ارتبطت بقصة استنارة بوذا، وأشجار كثيرة في الهند واليابان وبلاد اخرى ارتبطت بذاكرة ومعتقدات وطقوس، وفي أوروبا تحولت أشجار معمرة إلى معالم تحظى بالحماية والتوثيق لأنها جزء من التاريخ الطبيعي للمجتمع.
ربما لأن الإنسان هناك فهم شيئا ننساه نحن بسرعة: الأشياء التي تبقى معنا طويلا تصبح جزءا منا.
ولهذا فإن قطع شجرة لا يعني فقط إزالة شيء من الشارع. أحيانًا يعني إزالة شيء من ذاكرتنا.
وهنا أفهم صديقي أكثر.
هو لم يكن يبكي على جذع. كان يبكي على شيء يعرفه. على منظر اعتاده. على ظل ربما مر تحته ألف مرة.
على شجرة كانت موجودة في المكان قبل أن يأتي آخر رصيف، وقبل أن يتغير الطريق، وربما قبل أن يعرف كثير من المسؤولين الذين قرروا إزالتها أن هذا المكان موجود أصلا.
وهنا تصبح القضية أكبر من الشجرة.
تصبح قضية: هل المكان ملك لمن يخططه فقط، أم أيضا لمن عاش فيه؟
المشكلة أننا في مصر أصبحنا نستخدم كلمة «التطوير» أحيانا كأنها كلمة سحرية.
إذا قلت «تطوير»، صمت الجميع.
إذا كان التطوير يحتاج إلى إزالة شجرة، فهي شجرة. إذا احتاج إلى إزالة حديقة، فهي حديقة. إذا احتاج إلى تحويل مساحة عامة إلى خرسانة، فهي مساحة ضائعة.
وكأن المدينة لا تصبح حديثة إلا عندما تتخلص من كل ما يعيق الخرسانة.
لكن لماذا لا يكون التطوير هو أن نحافظ على ما يستحق البقاء؟
لماذا لا يكون التحدي الهندسي هو: كيف نبني الطريق ونترك الشجرة؟
لماذا لا يكون النجاح في أن نضيف جديدا من دون أن نمحو القديم؟ تتعامل معه كتراث يعني.
التراث في دول مناجم ذهب. رأيت أماكن قديمة مرتبطة بذاكرة سلبية لدى الشعوب من عهد الغزاة، لكن تم الحفاظ عليها واصبحت مقاصد سياحية.
في مدن كثيرة، رأيت أشجارا تُنقل بدل أن تُقطع. تنقل بشكل محترم، وفي ظروف مناسبة علميا، وبمعدات متخصصة، مع الحفاظ على أكبر قدر ممكن من جذورها وتربتها، ثم تُثبت وتُروى وتُتابع حتى تستقر.
ليست المسألة أن هؤلاء الناس يحبون الأشجار أكثر منا.
إنما يعرفون قيمتها أكثر.
يعرفون أن شجرة عمرها عشرات السنين لا تعوضها شتلة صغيرة لأننا زرعناها بجوارها.
ويعرفون أن بعض الأشياء لا يمكن استعجالها.
والأغرب أننا في الوقت نفسه نتحدث عن زيادة المساحات الخضراء، ونعلن مبادرات لزراعة ملايين الأشجار، بينما تختفي أشجار موجودة بالفعل.
هنا يصبح السؤال بسيطا جدا:
قبل أن نسأل كم شجرة سنزرع، لماذا لا نسأل كم شجرة ستمنع من القطع؟
لأن الشجرة التي سنزرعها اليوم لن تمنح اطفالنا غدًا ظل شجرة عمرها خمسون عاما أو اكثر.
ستحتاج إلى سنوات.
أنا لا أقول إن كل شجرة مقدسة.
ولا إن كل شجرة يجب أن تبقى مهما كانت الظروف.
هناك أشجار مريضة، أو خطرة، أو تعترض مشروعات لا يمكن تنفيذها إلا بإزالتها.
لكن الفرق كله في سؤال واحد:
هل كان قطعها هو الحل الوحيد؟
إذا كان نعم، فليكن هناك سبب واضح.
وإذا كان هناك حل آخر، فلماذا لا نختاره؟
المشكلة ليست في المنشار وحده.
المشكلة أن المنشار أصبح أحيانا أسهل من التفكير.
وأي انسان اكيد لا يريد أن يعيش في مكان كلما أردنا تطويره اضطررنا إلى إزالة شيء من ذاكرته.
لا نريد مدنا لا نسمع فيها إلا السيارات.
ولا نريد أن تصبح كل مساحة خضراء فرصة استثمارية.
ولا نريد أن نضع مقاعد ومظلات وأحواضًا خرسانية بعد أن نقطع الأشجار، ثم نسأل لماذا لا تبدو المدينة مريحة.
فالإنسان يحتاج إلى شجرة.
ليس لأنه يحتاج إلى الأكسجين فقط.
بل لأنه يحتاج إلى شيء أخضر أمام عينيه. إلى ظل. إلى صوت ورقة تتحرك في الهواء. إلى مكان يعرفه.
إلى شيء يظل في مكانه بينما تتغير أشياء كثيرة حوله.
ولذلك عندما اتصل بي صديقي مرة أخرى، لم أسخر منه.
قلت له: «حقك عليّ. طلعت الشجرة تستاهل الزعل».
ضحك.
ثم قال لي: «أهو أنت فهمت».
نعم، فهمت.
فهمت أنني لم أكن أضحك على شجرة.
كنت أضحك على فكرة أن الإنسان يمكن أن يحزن على شيء لا يملك صوتا.
ثم فكرت: ربما هذا بالضبط هو سبب وجوب أن نحزن عليها.
لأن الشجرة لا تستطيع أن تدافع عن نفسها. لا تستطيع أن تكتب منشورا. لا تستطيع أن تتصل بالرئيس. لا تستطيع أن تقول: «أنا هنا منذ خمسين عاما، لماذا تريدون قتلي؟»
كل ما تستطيع فعله أن تقف. تظل واقفة. تمنح ظلها للذي يقطعها.
وتظل صامتة حتى يأتي المنشار.
أما نحن، فلدينا أصوات، وهواتف، ومنصات، ومسؤولون، وقرارات.
ومع ذلك، أحيانًا نكون أقل رحمة من شجرة.
إلى عشاق القبح:
لا أطلب منكم أن تحبوا الأشجار.
فقط، قبل أن تقطعوا شجرة، حاولوا أن تتخيلوا أنكم لا تقطعون شجرة.
تخيلوا أنكم تقطعون ظلا كان ينتظر طفلًا. أو ذاكرة كان يحتفظ بها شارع.
أو مكانا اعتاد رجل عجوز أن يقف تحته كل صباح.
أو جزءًا صغيرًا من مدينة سيبحث عنه أحدهم بعد سنوات ولن يجده.
ربما عندها، فقط، ستتردد يد المنشار قليلًا.
وربما تكون تلك اللحظة الصغيرة هي بداية أن تصبح مدننا أقل قبحا.
فالمدينة الجميلة ليست التي تخلو من الأشجار التي تعترض طريقها، وإنما التي تتعلم كيف تجد طريقها من دون أن تقتلها.

إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"

المصدر :" النبأ "

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق بالبلدي : شراكة بين وزارة الصحة ومنظمة الهجرة الدولية لتأهيل 20 طبيب أسنان
التالى بالبلدي : بطولة يسار لمغاري.. فيلم “ماي فراند” يتصدر شباك التذاكر بمداخيل تجاوزت 13 مليون درهم

 
محطة التقنية مصر التقنية دليل بالبلدي مجو تكنوستيشن أضف موقعك
● مباشر
...× إغلاق
إعلان
25
إعلان متجاوب
  • adblock تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ??

أضف موقعك الآن عندنا غير
ضع موقعك هنا وإنت الكسبان اضف موقعك
???? بالبلدي✨بالبلدي???? أضف موقعك الآن
???? أضف هنا ????✨ ⚡✨ ⚡✨ ⚡ أضف موقعك ✨???? هنا⛈️✊⚽⌨️⏳❌✅❎☑️✔️☪️®️©️™️بالبلدي???? مجلة بالبلدي???? أضف هنا???? إضغط هنا???? أضف هنا⁦(⁠^⁠^⁠)⁩???? أضف موقعك هنا
إعلان
إعلان