فى الصباح الباكر وبين أشجار النخيل والزيتون والخضراوات ومحاصيل القمح والشعير والبرسيم، يبدأ هانى بولس، مهندس زراعى، العمل فى إحدى مزارع منطقة سهل الطينة بمحافظة بورسعيد، حاملًا مسئولية الأرض التى أصبحت جزءًا من حياته اليومية.
ويبدأ هانى عمله فى السابعة صباحًا، ويواصل حتى الحادية عشرة، قبل أن يتوقف لساعات قليلة للاحتماء من حرارة الظهيرة التى تجعل العمل فى الحقول شاقًا، ويقول فى تصريح لـ«الشروق» إن هذا الوقت لا يكون مناسبًا أيضًا لرى النباتات بالمياه المعالجة ثلاثيا من محطة بحر البقر، بسبب ارتفاع معدلات البخر، لذلك يعود إلى عمله من الثالثة عصرًا وحتى السابعة مساءً.
من جهته، قال المهندس هشام زكى، مدير محطة معالجة الصرف الصحى بالجبل الأصفر فى محافظة القليوبية، إن الطاقة الاستيعابية للمحطة تبلغ 2.5 مليون متر مكعب يوميًا القادمة من شرق النيل للقاهرة الكبرى لتخدم 12.5 مليون نسمة، مضيفا: «المياه المعالجة ثنائيًا بالمحطة تذهب لمحطة بحر البقر التى تبلغ طاقتها 5 ملايين متر مكعب ليتم معالجتها ثلاثية وتكون صالحة لرى كافة أنواع المحاصيل بأمان».
وتابع زكى أنه «جار زيادة الطاقة الاستيعابية لمحطة الجبل الأصفر إلى 3.5 مليون متر مكعب يوميًا لتصبح الأولى عالميًا بمنحة من الاتحاد الأوروبى وقروض ميسرة من جهات دولية، بينما تتحمل الحكومة المبلغ المتبقى، مشيرا إلى أن التوسعات الجديدة ستنتهى خلال 4 سنوات.
وبحسب بيان صادر عن بعثة الاتحاد الأوروبى بمصر، تبلغ تكلفة مشروع توسعة محطة الجبل الأصفر 510 ملايين يورو، موزعة على النحو التالى: منحة قدرها 10 ملايين يورو من الاتحاد الأوروبى ومنحة فرنسية تبلغ 1.5 مليون يورو، بجانب قروض من بنك التنمية الإفريقى (110 ملايين يورو) والوكالة الفرنسية للتنمية (50 مليون يورو)، وتمويل من الحكومة المصرية بنحو 338.5 مليون يورو.
وفى مزرعة سهل الطينة، يوضح هانى بولس، تتنوع طرق الرى بحسب طبيعة المحصول وظروف الأرض، فالأشجار والخضروات تُروى بالتنقيط، بينما تعتمد محاصيل القمح والشعير والبرسيم على الرى بالرش، وفى بعض الأراضى يُستخدم الرى بالغمر بسبب ارتفاع ملوحة التربة. وتأتى المياه المستخدمة فى رى الأرض من محطة معالجة مياه مصرف بحر البقر، فى إطار الاستفادة من المياه المعالجة فى استصلاح وزراعة الأراضى.
ورغم ارتباطه بالأرض والعمل، فإن حياة هانى لا تخلو من ثمن شخصى يدفعه بعيدا عن أسرته، فهو يعمل 26 يومًا متواصلة كل شهر، ويحصل على أربعة أيام فقط إجازة، ينتظرها ليعود إلى أسرته ويستعيد شيئًا من دفء البيت بعد أيام طويلة قضاها بين الحقول.
بالنسبة لهانى، لا تمثل الإجازة مجرد أيام للراحة، بل فرصة لاستعادة تفاصيل يفتقدها خلال الشهر؛ جلسة مع أسرته، ووقت بعيد عن حرارة الشمس وضغط العمل، وشعور بسيط بأنه عاد إلى المكان الذى ينتمى إليه.
يقول هانى إن العمل فى الزراعة يحتاج إلى صبر وتحمل، فالأرض لا تعرف العطلات، والمحاصيل تحتاج إلى متابعة مستمرة، لكن أصعب ما فى الأمر بالنسبة له هو البعد عن الأسرة، ومع ذلك، يواصل عمله كل يوم، مؤمنًا بأن ما يفعله لا يتعلق فقط بزراعة الأرض، وإنما بالمساهمة فى تحويل أراض كانت تعانى من الملوحة إلى مساحات منتجة.
وبين بداية اليوم مع شروق الشمس ونهايته مع انكسار الحرارة، تستمر حكاية هانى؛ رجل يقسم وقته بين الأرض التى يعمل من أجلها والأسرة التى يعود إليها بحى السلام بمحافظة القاهرة 4 أيام فقط من كل شهر لتمنحه الطاقة كى يبدأ دورة جديدة من العمل والانتظار.
من جهته، قال الدكتور تامر حسن، وكيل وزارة الزراعة بشمال سيناء، إنه من المخطط زراعة أكثر من 400 ألف فدان ضمن مشروع تنمية شمال ووسط سيناء، اعتمادًا على المياه المعالجة ثلاثيًا من محطة بحر البقر للصرف الصحى، بعد ضخها فى ترعة الشيخ جابر، المعروفة سابقًا بترعة السلام، مع إضافة نسبة 50% من مياه النيل إليها.
وأوضح حسن لـ«الشروق» أن المرحلة الأولى من المشروع تستهدف زراعة 186 ألف فدان بمنطقة بئر العبد، لافتًا إلى أن الأراضى وزعت على المواطنين المستفيدين بواقع نحو 5 أفدنة لكل مواطن، بنظام التمليك وبأقساط ميسرة من خلال هيئة التعمير، فيما أُسند المشروع حاليًا إلى جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة.
وأشار وكيل وزارة الزراعة بشمال سيناء إلى أن تنفيذ ترعة الشيخ جابر اكتمل حتى منطقة سلمانة بمركز بئر العبد، ومن المقرر أن تمتد إلى مدينة العريش، مؤكدًا أن نحو 20 ألف فدان زُرعت بالفعل ضمن المرحلة الأولى بمنطقة بئر العبد.
وأضاف أن الزراعات الحالية تشمل أشجار الزيتون، والشعير، والبرسيم الحجازى، والطماطم، فى إطار خطة التوسع الزراعى واستصلاح الأراضى ضمن مشروع تنمية شمال سيناء.
وتفقدت السفيرة أنجلينا آيخهورست، سفيرة الاتحاد الأوروبى بمصر، محطة معالجة الصرف الصحى بالجبل الأصفر، وذلك بحضور المهندس حسام عبد الفتاح، محافظ القليوبية، مشيدة بما تمتلكه المحطة من إمكانات فنية وتكنولوجية، تجعلها نموذجًا عالميًا فى مجال معالجة مياه الصرف الصحى.
وأكدت سفيرة الاتحاد الأوروبى استمرار الاتحاد الأوروبى فى دعم التعاون مع مصر وتعزيز الشراكة فى تنفيذ مشروعات التنمية المستدامة.
بدوره، قال محمد مصطفى الشيخ، مستثمر بشمال سيناء، إنه يزرع نحو 200 فدان فى منطقة سهل الطينة بمحافظة بورسعيد، ضمن مشروع تنمية شمال سيناء، مشيرًا إلى أن المياه المعالجة بمحطة بحر البقر ساهمت كثيرًا فى التوسع الزراعى.
وأضاف الشيخ لـ«الشروق» أن الأراضى فى المنطقة وُزعت على الشركات، بحد أقصى 500 فدان للشركات المتوسطة، وحتى 10 آلاف فدان للشركات الكبيرة.
وتابع أنه يزرع محاصيل مثل القمح والذرة وبنجر السكر والشعير، إلى جانب مشاتل أشجار المانجو والليمون والأفوكادو والتين البرشومى والزيتون. كما أشار إلى أن المياه تكون فى بعض الأوقات سيئة، ما يؤدى إلى ضعف المحصول.
من جانبه، كشف المهندس هشام زكى، مدير محطة معالجة الصرف الصحى بالجبل الأصفر، عن بدء تطبيق منظومة تكنولوجية متطورة تعتمد على الذكاء الاصطناعى بهدف نقل المحطة من مرحلة المراقبة التقليدية إلى مرحلة «التحكم الاستباقى» والتنبؤ بالأعطال قبل وقوعها.
وأضاف زكى: «بدأنا فى تركيب أحدث التقنيات التى تتيح لنا التنبؤ بالمشكلات، وليس مجرد متابعة المعدات واتخاذ رد فعل؛ حيث نتعاون حاليًا مع شركة (شنايدر) لتنفيذ سوفت وير يقوم بدمج البيانات الضخمة المستمدة من برنامج إدارة الصيانة ونظام التحكم والمراقبة.
وأوضح زكى أن النظام الجديد يستخدم معادلات الذكاء الاصطناعى لتحليل البيانات، مما يمكنه من إصدار تنبيهات أوتوماتيكية دقيقة حول أى نقص متوقع فى مستويات الغاز أو الكهرباء، عن طريق رصد جميع العوامل والمتغيرات التى قد تؤدى إلى ذلك، مما يجعل العملية التشغيلية تدار بشكل آلى بأسرع وقت دون انتظار تدخل المشغل البشرى.
وتابع زكى: «هذا النظام يُطبق لأول مرة فى محطة صرف صحى، وقد بدأنا بالفعل فى تجميع البيانات على الحوسبة السحابية وتركيب شاشات العرض الحديثة، لتصبح محطة الجبل الأصفر رائدة عالميا فى استخدام الذكاء الاصطناعى للإدارة الاستباقية فى قطاع معالجة المياه».
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" جريدة الزمان "




