أكدت رانيا جول، خبيرة أسواق المال، أن التراجعات التي شهدتها أسواق المال العالمية والعربية خلال جلسة الجمعة 30 أكتوبر 2026، لا تقتصر على عمليات جني أرباح تقليدية، وإنما تعكس بداية مرحلة أكثر حساسية في تعامل المستثمرين مع المخاطر، وإعادة تقييم لمستويات الأسعار والتوقعات المستقبلية، خاصة في قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
وقالت جول إن الأسواق الأمريكية شهدت موجة تراجع ملحوظة، حيث هبط مؤشر ناسداك بنحو 2.86% ليغلق عند 28,437 نقطة، وتراجع مؤشر S&P 500 بنسبة 1.82% إلى 7,580.07 نقطة، فيما خسر مؤشر داو جونز نحو 1.09% ليغلق عند 51,770.31 نقطة، في ظل اتساع الضغوط البيعية وتركيزها بصورة أكبر على أسهم التكنولوجيا وأشباه الموصلات.
وأضافت أن سهم إنتل تعرض لهبوط حاد اقترب من 28.6% خلال جلسة واحدة، بعد توقعات أرباح مخيبة للآمال، بالتزامن مع تصاعد قلق المستثمرين بشأن حجم الإنفاق الرأسمالي لشركات التكنولوجيا الكبرى على الذكاء الاصطناعي، ومدى قدرتها على تحقيق عوائد تتناسب مع هذه الاستثمارات الضخمة.
التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.. نهاية تسعير الوعود؟
وأوضحت خبيرة أسواق المال أن الأسواق بدأت تنتقل من مرحلة تسعير الوعود والتوقعات المستقبلية إلى مرحلة المطالبة بالعائد الفعلي على الاستثمار، مشيرة إلى أن إعلان الشركات عن استثمارات بمئات المليارات في الذكاء الاصطناعي لم يعد كافياً لطمأنة المستثمرين، الذين أصبحوا يبحثون عن انعكاس هذه الاستثمارات على الأرباح والتدفقات النقدية والهوامش التشغيلية.
وأشارت إلى أن جزءاً من التقييمات المرتفعة لقطاع التكنولوجيا أصبح معرضاً لإعادة التسعير، خاصة الشركات التي ارتفعت قيمتها السوقية بوتيرة أسرع من نمو أرباحها الفعلية.
ولفتت إلى أن السياسة النقدية الأمريكية تمثل عاملاً آخر في الضغوط الحالية، بعدما أبقى الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه الأخير يوم 28 أكتوبر، بينما لا تزال الضغوط التضخمية وارتفاع أسعار الطاقة يبقيان احتمالات التشديد النقدي ضمن حسابات المستثمرين.
وأضافت أن الأسواق تواجه معادلة معقدة، فالاقتصاد الأمريكي لا يزال يظهر قدراً من المرونة، لكن التضخم لم يصل بعد إلى المستوى المستهدف بما يسمح بالاطمئنان الكامل إلى مسار التيسير النقدي، وهو ما يضغط على تقييمات الأسهم، خصوصاً الأصول التي تعتمد قيمتها بدرجة كبيرة على الأرباح المستقبلية.
النفط والتوترات الجيوسياسية يزيدان حذر المستثمرين
وأكدت جول أن ارتفاع أسعار النفط والمخاوف الجيوسياسية يعيدان طرح احتمالات عودة الضغوط التضخمية، بما قد يحد من قدرة البنوك المركزية على خفض أسعار الفائدة بالسرعة التي كانت تتوقعها الأسواق.
وأضافت أن تداخل المخاطر الجيوسياسية والأمنية مع المخاطر المالية، سواء التوترات الإقليمية أو مخاطر الملاحة وإمدادات الطاقة، إلى جانب الاختراق الذي تعرضت له منصة بينانس والخسائر المرتبطة به، عزز حالة الحذر لدى المستثمرين ودفعهم إلى إعادة تقييم مستويات المخاطر في محافظهم الاستثمارية.
وأشارت إلى أن تراجع العوائد على سندات الخزانة الأمريكية خلال جلسة الجمعة، مع اتجاه المستثمرين إلى الأصول الأكثر أماناً، يعكس وجود طلب تحوطي، لكنه لا يعني بالضرورة دخول الأسواق مرحلة أزمة ائتمانية أو مالية شاملة.
الذهب والفضة والبيتكوين تحت الضغط رغم تصاعد المخاوف
وفيما يتعلق بأداء الأصول المختلفة، أوضحت خبيرة أسواق المال أن موجة التراجعات لم تقتصر على الأسهم، بل امتدت إلى الذهب والفضة والبيتكوين، بينما ارتفعت أسعار النفط.
وقالت إن هذا الأداء يعكس أن المستثمرين لم يتجهوا بصورة آلية إلى جميع الأصول المصنفة باعتبارها ملاذات آمنة، وإنما شهدت الأسواق عمليات تخفيض للمراكز الاستثمارية وإعادة تموضع للسيولة.
وأضافت أن أداء الذهب خلال المرحلة المقبلة سيظل مرتبطاً بتطورات التضخم والعوائد الحقيقية والدولار والمخاطر الجيوسياسية، بينما ستظل أسعار النفط أكثر حساسية لتطورات الإمدادات والتوترات السياسية.
أما البيتكوين، فأشارت إلى أن تعافيها يحتاج إلى استعادة الثقة في البنية المؤسسية والتشغيلية لسوق العملات المشفرة، إلى جانب تحسن شهية المخاطرة عالمياً.
أسواق الخليج والإمارات بين ضغوط وول ستريت ومخاطر المنطقة
وعن أداء الأسواق العربية والخليجية، أكدت جول أن هذه الأسواق لا تتأثر فقط بحركة وول ستريت، وإنما تتفاعل أيضاً مع أسعار النفط والتوترات الجيوسياسية وأداء القطاعات المصرفية والعقارية والنتائج المالية للشركات.
وأوضحت أن مؤشر السوق السعودية «تاسي» أنهى جلسة الخميس 29 أكتوبر عند مستوى 9,921.50 نقطة، منخفضاً بنحو 1.02%، كما تعرضت بقية الأسواق الخليجية لضغوط متفاوتة في ظل تصاعد المخاوف المرتبطة بالتوترات الإقليمية ومخاطر الملاحة وإمدادات الطاقة.
وأضافت أن مؤشر سوق دبي المالي تراجع خلال جلسة الجمعة 30 أكتوبر بنحو 0.81% إلى 5,770.73 نقطة، بينما انخفض مؤشر سوق أبوظبي بنحو 0.12% إلى 9,466.34 نقطة.
وحددت جول عاملين رئيسيين سيتحكمان في أداء الأسواق الإماراتية والخليجية خلال المرحلة المقبلة، أولهما استمرار تأثير التطورات الجيوسياسية على ثقة المستثمرين وتقييم المخاطر، خاصة مع حساسية المنطقة لأي تصعيد قد يؤثر على حركة التجارة والطاقة والملاحة.
أما العامل الثاني، فيتمثل في نتائج الشركات ومدى قدرتها على الحفاظ على مستويات الربحية والنمو، خاصة في القطاعات المصرفية والعقارية والاستثمارية.
وأكدت أن قوة البنية الاقتصادية للإمارات وتنوع مصادر الدخل وتطور الأسواق المالية تمثل عوامل دعم مهمة على المدى المتوسط، لكنها لا تمنع تعرض الأسهم لتقلبات قصيرة الأجل، خصوصاً عندما تتزامن الضغوط الخارجية مع نتائج مالية تقل عن توقعات المستثمرين.
وأشارت إلى أن ارتفاع أسعار النفط يحمل أثراً مزدوجاً على الأسواق الخليجية؛ فمن ناحية يدعم الإيرادات المالية للدول المصدرة للطاقة، ومن ناحية أخرى قد يعيد الضغوط التضخمية عالمياً ويزيد احتمالات استمرار أسعار الفائدة المرتفعة، بما ينعكس على تكلفة التمويل والائتمان وتقييمات الأصول.
البورصة المصرية.. 3 قنوات لنقل تأثير التراجعات العالمية
وبالنسبة للبورصة المصرية، شددت جول على أهمية عدم التعامل معها باعتبارها نسخة من الأسواق الأمريكية أو الخليجية، موضحة أن أداءها تحكمه محددات محلية أكثر تأثيراً، ترتبط بأسعار الفائدة والتضخم وسعر الصرف وتدفقات الاستثمار الأجنبي والسيولة المحلية.
وأوضحت أن مؤشر EGX30 أنهى جلسة الخميس 29 أكتوبر عند مستوى 49,596.14 نقطة، مرتفعاً بنحو 0.64%، بعد تراجعه بنسبة 1.64% خلال جلسة الأربعاء، وهو ما يعكس وجود تقلبات واضحة في اتجاهات التداول، وليس بالضرورة اتجاهاً هبوطياً مستمراً.
وحددت خبيرة أسواق المال ثلاث قنوات رئيسية يمكن من خلالها انتقال تأثير التراجعات العالمية إلى البورصة المصرية.
تتمثل القناة الأولى في تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية، إذ إن ارتفاع جاذبية الدولار وأدوات الدين الأمريكية قد يدفع بعض المستثمرين الدوليين إلى إعادة توزيع استثماراتهم وتقليل انكشافهم على الأسواق الناشئة.
أما القناة الثانية فتتمثل في أسعار الطاقة، حيث إن ارتفاع النفط عالمياً قد يزيد الضغوط على فاتورة الاستيراد وتكاليف الإنتاج والنقل، بما قد ينعكس على معدلات التضخم والهوامش الربحية للشركات.
وتتعلق القناة الثالثة بتكلفة التمويل، إذ إن استمرار ارتفاع أسعار الفائدة عالمياً قد يحد من شهية المخاطرة تجاه الأسواق الناشئة، حتى عندما تمتلك بعض الشركات المحلية أساسيات مالية جيدة.
ورغم هذه الضغوط، أكدت جول أن التأثر الخارجي لا يعني بالضرورة استمرار التراجع في البورصة المصرية، مشيرة إلى وجود عوامل دعم محلية تتمثل في تحسن نتائج بعض الشركات، والفرص المتاحة في قطاعات البنوك والاتصالات والصناعة والخدمات، إلى جانب جاذبية بعض الأسهم من منظور التقييمات والعائد المتوقع.
وأضافت أن أداء السوق المصرية سيظل مرتبطاً بدرجة كبيرة بقدرة الاقتصاد على الحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي، وتحسين جاذبية الاستثمار، واستمرار التدفقات الأجنبية طويلة الأجل، وليس فقط بحركة المؤشرات العالمية اليومية.
توقعات أسواق المال خلال الأسابيع المقبلة
وعن توقعاتها للمرحلة المقبلة، رجحت جول استمرار التذبذب وعمليات إعادة تقييم الأصول في الأسواق العالمية خلال الأسابيع المقبلة، مع احتمالية حدوث ارتدادات فنية، لكنها حذرت من اعتبار أي صعود مؤقت دليلاً مؤكداً على انتهاء التصحيح.
وأوضحت أن المؤشر الحقيقي لاتجاه الأسواق سيكون قدرة شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي على إثبات جدوى استثماراتها من خلال الأرباح والتدفقات النقدية، إلى جانب مسار التضخم وأسعار الفائدة الأمريكية.
وأضافت أنه إذا استمرت نتائج الشركات دون مستوى التوقعات، مع بقاء أسعار الطاقة مرتفعة، فقد تشهد الأسواق موجة إضافية من إعادة تسعير الأسهم ذات التقييمات المرتفعة، بينما قد يفتح تحسن النتائج وهدوء الضغوط الجيوسياسية المجال أمام استعادة السيولة والثقة تدريجياً.
وعلى مستوى الأسواق العربية والخليجية والمصرية، توقعت أن تكون المرحلة المقبلة أكثر انتقائية، مع تفاوت الأداء بين سوق وآخر وقطاع وآخر، موضحة أن الأسواق الخليجية ستظل مرتبطة بأسعار النفط والتطورات الجيوسياسية والنتائج المالية، بينما ستتأثر الأسواق الإماراتية بأداء القطاعات المصرفية والعقارية والاستثمارية.
أما البورصة المصرية، فستظل أكثر حساسية لتطورات التضخم والفائدة وسعر الصرف وتدفقات الاستثمار الأجنبي.
ورجحت أن تحافظ الشركات ذات المديونية المنضبطة والتدفقات النقدية القوية والقدرة على توزيع أرباح مستدامة على جاذبية نسبية أفضل من الشركات التي تعتمد على التمويل المرتفع أو التوقعات المستقبلية غير المدعومة بأرباح فعلية.
رانيا جول: الأسواق تدخل مرحلة فرز بين الشركات القوية وأصحاب التقييمات المبالغ فيها
واختتمت جول تحليلها بالتأكيد على أن ما تشهده الأسواق حالياً ليس مجرد انخفاض في أسعار الأسهم، وإنما اختبار حقيقي لجودة الاستثمارات وكفاءة إدارة المخاطر وتخصيص رؤوس الأموال.
وأوضحت أن الأسواق تدخل مرحلة جديدة لن يكون فيها الصعود شاملاً لجميع القطاعات والشركات، بل ستشهد عملية فرز بين الشركات التي تمتلك أساسيات مالية قوية، وتلك التي اعتمدت بصورة مبالغ فيها على التوقعات والتقييمات المرتفعة.
وشددت على أن التراجعات الحالية لا تكفي وحدها للحكم ببدء أزمة مالية عالمية أو انهيار الأسواق، لكنها تحمل رسالة تحذير واضحة للمستثمرين بضرورة إعادة تقييم المخاطر وعدم الانسياق وراء موجات التفاؤل أو التشاؤم.
وأكدت أن الفرص الاستثمارية لا تختفي مع تراجع الأسواق، لكنها تتغير وتصبح بحاجة إلى قدر أكبر من التحليل والانضباط والصبر، مضيفة: «الأسواق لا تخشى التراجع بقدر ما تخشى غياب اليقين؛ وما نشهده اليوم ليس بالضرورة نهاية دورة الصعود، بل اختبار لقدرة الاستثمارات على تبرير قيمتها الحقيقية. وفي المرحلة المقبلة لن ينتصر من يطارد الأسعار، بل من يجيد قراءة المخاطر ويعرف أين يضع أمواله ومتى يتحرك».
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" سي نيوز "




