هناك فارق جوهري يغيب عن كثير من النقاشات العامة عندما يتحدث البعض عن الرواتب والامتيازات، وهو أن الأستاذ الجامعي لا يمكن وضعه في ميزان واحد مع أي فئة وظيفية أخرى، مهما كانت أهميتها.
الأستاذ الجامعي ليس موظفًا يؤدي مهمة إدارية
فـ الأستاذ الجامعي ليس موظفًا يؤدي مهمة إدارية وتنتهي عند الخامسة مساءً، إنه صانع العقول، وباني الوعي، وحارس المعرفة. هو من يخرج الطبيب والمهندس والقاضي والضابط والمعلم، هو الأصل الذي تتفرع منه كل المهن، فكيف يستقيم أن نجمع بين التلميذ وأستاذه في سطر واحد، أو في جدول واحد، أو في معادلة مالية واحدة؟
إن تقدير الدولة للأستاذ الجامعي، ومنحه راتبًا يتناسب مع خبراته ومهاراته وسنوات عمره التي أفناها بين الكتب والمختبرات والبحوث، ليس ترفًا ولا منحة، بل هو حفاظ على مكتسباتها ذاتها.
ولقد كان توجيه فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي في هذا السياق، توجيهًا واعيًا بعيد الرؤية، لا توجهًا لسد مطلب فئوي، كما يشير البعض. فقد وعى سيادة الرئيس بفطنته أن الدولة التي لا تستثمر في علمائها، إنما تفرط في أهم ثرواتها.
فالحجر يمكن أن يعوض، والبناء يمكن أن يعاد تشييده، والمال يمكن أن يعوض، أما العقل الذي هاجر بحثًا عن تقدير لم يجده في وطنه، فلا يعود بسهولة.
إن العلماء هم عماد البناء في الوطن، هم البنية التحتية الحقيقية التي لا ترى بالعين، لكنها تظهر في كل إنجاز. والاستثمار فيهم أهم من الاستثمار في أي شيء آخر، لأنهم هم من يصنعون من يبني كل شيء آخر. الاستثمار في مبنى جامعة دون الاستثمار في أستاذها، كمن يبني مسجدًا بلا إمام، ومستشفى بلا طبيب.
ومن الإجحاف البين أن يقال: الجميع موظفون في الدولة، فليتساوَ الجميع. هذا منطق يهدم فكرة التميز ويقتل الحافز. فهل يتساوى من قضى عشرين عامًا بين الماجستير والدكتوراه والأبحاث والترقيات، بمن دخل سوق العمل بشهادة ثانوية، أو بكالوريوس؟ هل يتساوى من يحمل أمانة تخريج أجيال، بمن يحمل أمانة ملف ورقي؟
إننا لا نقلل من شأن أي مهنة، فكل المهن محترمة وضرورية، لكن العدل ليس المساواة المطلقة، العدل هو أن يُعطى كل ذي حق حقه، وأن يوضع كل إنسان في المكان الذي يليق بعلمه وقدره.
لقد خسرت دول علماءها لأنها عاملتهم كأرقام في كشوف المرتبات، وربحت دول أخرى لأنها أدركت أن الأستاذ الجامعي ليس تكلفة على الميزانية، بل هو استثمارها الأعلى عائدًا.
فإذا أردنا وطنًا قويًا، واقتصادًا قويًا، ومستقبلًا آمنًا، فعلينا أن نبدأ من حيث يبدأ كل شيء: من الأستاذ الجامعي.
كرموه يكرمكم الوطن، وقدروه يقدركم التاريخ.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" السبورة "




