بالبلدي: مصر في إفريقيا: من الاتزان إلى المبادرة الاستراتيجية

masr360 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

شهدت الدبلوماسية المصرية خلال ربيع العام الجاري نشاطًا ملحوظًا، خصوصًا في منطقة القرن الإفريقي، بما عكس ترجمة عملية لتعهدات الرئيس عبد الفتاح السيسي مع بداية ولايته الرئاسية الجديدة في مارس 2024، بانتهاج سياسة خارجية أكثر فاعلية ووضوحًا في حماية الأمن القومي المصري.

ويكتسب هذا التحرك أهمية خاصة، بالنظر إلى أن القرن الإفريقي أصبح خلال السنوات الأخيرة، واحدًا من أكثر الأقاليم تأثيرًا في معادلات الأمن القومي المصري، بفعل تصاعد أدوار فاعلين إقليميين ودوليين، فيما بات يُشار إليه على نحو متزايد– بـالحلف الثلاثي، والذي يضم إثيوبيا والإمارات وإسرائيل، مع توظيف ملف أرض الصومال.

وفي هذا السياق، بدت تحركات القاهرة الأخيرة، من مشاركتها في قمة فرنسا- إفريقيا في نيروبي (13-14 مايو)، إلى اللقاءات الرئاسية والوزارية اللاحقة في أوغندا وإريتريا، دالة على انتقال في مقاربتها الإفريقية؛ من الاتزان الاستراتيجي، كما صاغه الكتاب الأبيض لوزارة الخارجية المصرية الصادر في ديسمبر 2025، إلى ما يمكن وصفه بـالمبادرة الاستراتيجية.

وبينما قدّم الكتاب الأبيض إفريقيا بوصفها مشروعًا لإعادة تأسيس الدور المصري على أسس الشراكة التنموية وتعزيز العلاقات الثنائية، فرضت التحولات المتسارعة في القرن الإفريقي، بما في ذلك دعم انفصال إقليم أرض الصومال واقعًا جديدًا أكثر تعقيدًا، يفرض إعادة تموضع أكثر حسمًا في مواجهة تهديدات مباشرة للأمن القومي المصري.

ومن هذا المنظور، يمكن قراءة الحراك المصري الراهن، باعتباره استجابة لتحدٍّ وجودي، تتحرك فيه القاهرة انطلاقًا من منطق الاتزان، لكنها تتجاوزه عمليًا نحو تبني سياسة، تقوم على المبادرة والتحرك الدبلوماسي الاستباقي؛ عبر إعادة قراءة المشهد الإقليمي، وتأكيد دورها كقوة ضامنة للاستقرار وسيادة الدول في القرن الإفريقي، مع توظيف شبكتها الدولية المتوازنة، وفي مقدمتها شراكتها المتنامية مع فرنسا، والهادفة إلى تعزيز فرص الاستقرار وإعادة تشكيل موازين القوة في الإقليم.

من الإسكندرية إلى عنتيبي: مصر وإعادة ترتيب المجال الإقليمي

حظيت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لمصر في مستهل جولته الإفريقية في الفترة 9-14 مايو بزخم كبير، كما اكتسبت قيمة ثقافية رمزية كبيرة مع افتتاح ماكرون لفرع جديد لجامعة سنجور الفرانكفونية بالإسكندرية، التي يمكن وصفها بحق بالمدينة الكوزموبوليتانية “العالمية ” الإفريقية الأبرز. وإلى جانب هذا التأثير الثقافي الكبير، سطرت الزيارة خطوطًا عريضة لتعزيز التعاون المصري- الفرنسي الثنائي، والمشترك فيما يمكن وصفه بنهج فرنسا لإعادة مقارباتها الإفريقية من باب ما وصفته باريس “بالشراكة الاستراتيجية” مع دول القارة.

وركز ماكرون والسيسي على مناقشة تعزيز العلاقات الثنائية ومناقشة التطورات الجارية في الشرق الأوسط. كما جاءت الملفات الإفريقية ذات الصلة بتداعيات الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران في قلب هذه الزيارة، لا سيما أن السيسي توجه بعدها بساعات لحضور قمة ماكرون مع قادة الدول الإفريقية في نيروبي، وما لاحظه مراقبون من توجه باريس، التي تحاول إعادة بناء نفوذها في إفريقيا بعد تراجعات غير مسبوقة لهذا النفوذ منذ ستينيات القرن الماضي، للاعتماد على نقاط ارتكاز إفريقية تقليدية في المرحلة المقبلة؛ لتنشيط سياساتها الإفريقية، وتمثلت هنا في القاهرة ونيروبي وأديس أبابا.

كما نقل الرئيس السيسي خلال حضوره القمة الفرنسية- الإفريقية في نيروبي رؤية مصر في قضايا القمة الرئيسة: إصلاحات النظام المالي العالمي، والتحول الرقمي، والوصول للتمويل المستدام وإصلاح مجلس الأمن الدولي؛ وشملت محادثاته مع نظيره الكيني وليام روتو ملف التعاون الإقليمي في حوض النيل كأهمية قصوى لدوله.

كما شملت محادثات الرئيس السيسي لقاءات مهمة مع مسؤولين من الاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي، ومناقشة قضايا ملحة مثل الأزمة في السودان، ودور مصر في سبيل استعادة السلم والأمن الإقليميين، وضرورة تخصيص الموارد المتاحة نحو التنمية وتلبية تطلعات الشعوب الإفريقية.

ثم توجه السيسي إلى مدينتة عنتيبي الأوغندية (13 مايو) لمقابلة الرئيس يوري موسيفني، وركزت المحادثات رفيعة المستوى بينهما على مسألة مياه النيل والتعاون الإقليمي بين دول حوض النهر، والتزام مصر ببذل جهودها لتوسع القطاع الزراعي في أوغندا (في تفنيد عملي لرواية ذاعت في السنوات الأخيرة عن سعي مصر للاستحواذ على مياه النيل منفردة)، وتعميق التعاون الثنائي في قطاعات اقتصادية مختلفة. هذا بجانب تناول الأوضاع الإقليمية، ولا سيما الأوضاع في ليبيا والسودان.

وتكشف قراءة برنامج عمل الدبلوماسية المصرية في مايو الجاري، عن تبني أجندة منسقة بشكل واضح؛ لتناول قضايا التعاون الإقليمي في حوض النيل والقرن الإفريقي، وحماية سيادة الدولة واستقلالها بهما، وضرورة تبني رؤية إقليمية تجاه أزمات مثل السودان وليبيا، تقوم على احترام مبادئ الاتحاد الإفريقي بشكل واضح لا لبس فيه.

مصر وإريتريا: تعميق العلاقات وأسس التعاون الإقليمي

ترجمت القاهرة مسارها الدبلوماسي في خطوة بالغة الأهمية بتوقيع القاهرة وأسمرا (16 مايو) اتفاقًا للتعاون في مجال النقل البحري، تضمن إطلاقًا لخط نقل بحري يربط مواني البلدين. وتبدو أهمية الاتفاق من حضور الرئيس الإريتري أسياس أفورقي مراسم توقيعه من قبل المسؤولين المعنيين في البلدين، وخلال زيارة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي لأسمرا.

كما يلفت النظر في الاتفاق، وحسب تصريح وزير النقل كامل الوزير، الذي وقع على الاتفاق، تعظيمه لأهمية المواقع الاستراتيجية في البلدين، وكذلك استعداد مصر لنقل خبرتها في قطاع النقل السككي والبحري وعمل المواني إلى إريتريا “لدعم التكامل الاقتصادي الثنائي” بين البلدين.

كما بدت تصريحات عبد العاطي دالة في هذا السياق، إذ ربط بين الحوكمة وأمن البحر الأحمر على نحو مباشر بالأمن القومي للدول المطلة عليه (وليس من بينها إثيوبيا كما يفهم ضمنيًا)، وأنه يجب ألا يسمح للدول غير المطلة على البحر الأحمر بالانخراط في ترتيبات أو تفاهمات مماثلة. وأن القاهرة تدعم رؤية إريتريا إزاء “إدارة البحر الأحمر”، والتي تؤكد على وحدة الدول المطلة عليه وسيادتها.

ويتضح من هذا التطور عدم وقوف القاهرة عن حدود “الاتزان الاستراتيجي” أو موازنة حركتها في وسط بيئة معادية للغاية حتى من قبل أطراف محسوبة على مصالحها وامنها القومي، بل الانتقال إلى المبادئة الإيجابية بالحركة، وأخذ خطوات أبعد بكثير، تؤدي في النهاية إلى رفع الأعباء والأثمان على الدول الساعية لزعزعة استقرار الإقليم، سواء من داخله مثل إثيوبيا (في حالتي إريتريا والصومال، وكذلك في السودان، لكن في سياقات وبأدوات مختلفة نسبيًا) أو من خارجه أو جواره المباشر مثل إسرائيل والإمارات.

كما لفت هذا التطور إلى مسألة هامة للغاية، وهي تأكيد مصر وإريتريا بشكل قاطع، أن أمن البحري الأحمر يقع حصرًا على عاتق الدول المشاطئة له، ووفق مفهوم التعاون الإقليمي الذي يحترم سيادة هذه الدول، وهي صياغة تعني ضمنًا رفض القاهرة، في السياق الحالي، القاطع لكافة المشروعات الإقليمية التي تقفز فوق مثل هذه المبادئ (وفي مقدمتها إثيوبيا وإسرائيل والإمارات، بغض النظر عما تعلنه الأخيرة من وقت لآخر من مراجعات لمثل هذه السياسات تلميحًا أو تصريحًا)، واتخاذ الأولى خطوات عملية صارمة؛ للتأكيد على هذا الرفض، وعدم الاكتفاء بالمواقف الشكلية أو أسيرة حسابات غير دقيقة ربما.

مصر وفرنسا إفريقيًا: مصالح مشتركة

تظل للقاهرة ميزاتها النسبية الفائقة في قلب هذه الرؤية الفرنسية لاعتبارات مختلفة، أبرزها موقع مصر في قلب التفاعلات الإقليمية في الشرق الأوسط والبحر المتوسط والقرن الإفريقي بشكل مباشر، ومساعي القاهرة لتفعيل ديناميات العمل الجماعي الإفريقي، وما يمكن أن يقود إليه ذلك من التعاون الفرنسي المصري كرافعة هامة)، وما تشهده الدبلوماسية المصرية بالفعل من خطوات جريئة في مواجهة تحديات الأمن القومي المصري، بعض من جوانبه، ربما تتناقض مع مصالح فرنسا العسكرية والأمنية في إثيوبيا والبحر الأحمر، لكن هذا لم يمنع التفاهمات المتزايدة بين الرئيسين ماكرون والسيسي على مدار أكثر من عقد كامل.

كما تمثل المشروعات الفرنسية حجر الزاوية في مجمل هذه الاستثمارات الفرنسية في إفريقيا، مع ملاحظة الدور المتعاظم للشركات الفرنسية في القارة، وتوجه ماكرون لتوفير تمويل متزايد لها ولنظيرتها الإفريقية حتى نهاية العام 2025. وعلى سبيل المثال ضخت شركة بروباركو Proparco، الذراع الخاص للهيئة الفرنسية للتنمية Agence Française de Développement (AFD)، نحو 37% من إجمالي استثماراتها العالمية في مشروعات القارة الإفريقية في العام 2025 بقيمة بلغت 924 مليون يورو من مجموع 2.9 بليون يورو. مع ملاحظة أن الهيئة خصصت لإفريقيا في الفترة 2022- 2025 أكثر من 4.6 بلايين، منها مساهمة تمويلية في بناء قدرات ميناء دمياط في مصر (2023) ضمن كونسرتيوم دولي بقيمة 455 مليون دولار، كما استحوذت، على سبيل المثال، في فبراير 2026 (مع شركاء أوروبيين) على حصة أغلبية في شركة باركفيل Parkville المصرية الرائدة في صناعة الأدوية ومساحيق التجميل، وتعزيز صادراتها في إفريقيا والشرق الأوسط.

وإلى جانب الثقل الاقتصادي النسبي لمصر في حركة فرنسا في إفريقيا، وما يعنيه في المستقبل القريب من تعميق للاستثمارات الفرنسية في القارة حال الانتقال إلى منطقة التجارة الحرة الإفريقية المرتقبة، فإن فرنسا ومصر تشتركان في رؤية أن التهديدات التي تضرب حوض البحر الأحمر وحوض النيل، تستدعي خفضًا للتصعيد في الأزمات الدولية (مثل الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران)، وانتهاج مسار التعاون بين دول الحوض؛ نظرا للتكلفة المرتفعة للصراعات، ولا يمكن فصل هذا الحراك عن السياق الإقليمي وتصاعد التوتر في الشرق الأوسط.

ورغم ما قد يبدو من أفكار عن احتواء فرنسا المشترك لكل من مصر وإثيوبيا في مقاربتها الإفريقية، فإنه يمكن ملاحظة أن التعاون الفرنسي- المصري يكتسب ثقلًا متزايدًا، وتوازنًا ملحوظًا، في ضوء تقاطع هذا التعاون في دوائر البحر المتوسط وشرقه، وشمال إفريقيا، والمشرق العربي، وأجزاء هامة من القارة الإفريقية، وفي ضوء تفهم فرنسا لمخاوف مصر الحقيقية في أزمات مثل أمن البحر الأحمر وسد النهضة وليبيا وصعود إسرائيل كدولة مارقة على أي نظام إقليمي “مستقر”.

وفي المقابل، فإن التعاون الفرنسي الإثيوبي لا يزال يحتفظ ببعض المشروطيات السياسية الملحة، كما في ملف دعم فرنسا لبناء بحرية إثيوبية وتعطله أكثر من مرة لأسباب غير معلنة، لكن يمكن تصور وجود ضغوط خارجية في هذا المسار وتفهم فرنسي أكبر لخطورة مثل هذه الضغوط، عوضًا عن جديتها.

ومن هنا، يمكن تصور وجود حزمة متسعة من المصالح الفرنسية- المصرية في القارة الإفريقية، تقوم خلالها مصر بالعمل على تعميق التعاون الثنائي والإقليمي داخل القارة ودمج أو تنسيق استثمارات فرنسية مهمة في أطر هذا التعاون، بينما تعمل فيه فرنسا على كبح جماح الفوضى الإقليمية في شرق إفريقيا والقرن الإفريقي على الأقل؛ لتوفير بيئة آمنة لتمدد الاستثمارات الفرنسية هناك.

وفي المحصلة، تبدو القاهرة تنطلق من الاتزان الاستراتيجي، إلى موقع المبادرة والفعل في إفريقيا، مدفوعة بتحديات غير مسبوقة لأمنها القومي، وبإدراك متزايد أن الحفاظ على النفوذ الإقليمي ضرورة وجودية.

إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"

المصدر :" masr360 "

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق

محطة التقنية مصر التقنية دليل بالبلدي حظك اليوم توقعات الابراج 2026 اضف موقعك
  • adblock تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ??