منذ انتصار ثورتها الإسلامية 1979 حتى الحرب متعددة الأطراف عليها في صباح السبت 28 من فبراير 2026، وإيران هي قُطُب الرَّحى في الشرق الأوسط، حاربَها الخليجُ والعربُ والعالم خلف واجهة العراق ثماني سنوات من أغسطس 1980 حتى سبتمبر 1988، وهذا معناه أن إيران لم تكد تفرغ من ثورتها وإعلان جمهوريتها الإسلامية، حتى جرى استنزافها على جبهات القتال مع العراق قريباً من عشر سنوات، ومن خلف العراق وقف الخليج والعرب باستثناء سوريا البعث، ولهذا وقفت إيران مع نظام الأسد طوال سنوات الحرب الأهلية، ابتداءً من تاريخ انطلاق ثورات الربيع العربي 2011 حتى سقوط النظام ديسمبر 2024 وهروب بشار الأسد إلى روسيا وتنصيب نظام جديد، يمثل الغالبية من أهل السنة تحت رعاية تركيا وبتراضٍ مع أمريكا وتوافق مع إسرائيل.
لكن إذا كانت إيران الجمهورية الإسلامية قد جرى استنزافها من بوابة الحرب مع العراق في السنوات العشر الأولى من تاريخها، فإن الفرصة قد واتتها لإعادة ترميم جروحها وجبر كسورها في العشر التالية، التي بدأت بحماقة العراق في غزو الكويت في أغسطس 1990 حتى سقوط برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك في 11 سبتمبر 2001، وما أعقبها من حرب أمريكية على عالم الإسلام، بعضها حروب عسكرية، وبعضها حروب ثقافية لإعادة تشكيل الشرق الإسلامي، تحت ما عُرِف بالشرق الأوسط الكبير أو الجديد. في هذه الحرب تطوعت أمريكا بإضعاف كل خصوم إيران في الإقليم: غزو أفغانستان 2001 أراح إيران من حكم طالبان السُّنّي المتطرف المتعصب ضدها وضد الشيعة، ثم غزو العراق 2003 أراح إيران من أكبر خصومها في الإقليم من جارها الأخطر من عراق صدام حسين، ثم عمدت أمريكا إلى تحميل باكستان والسعودية ومصر فاتورة معنوية عن حادث 11 سبتمبر 2001، فوضعت الدول الثلاث تحت ضغط سياسي كثيف، وفي 2002 تم المجئ بحاكم إسلامي متوافق مع الاستراتيجية الأمريكية في الإقليم، وهو رجب طيب أردوغان، جاءت به كمثال على نموذج حكم إسلامي مقبول من شعبه المتدين في الداخل ومتوافق مع السياسات الأمريكية في الإقليم، ونشطت أمريكا في الدعاية له وترويجه، كما دأبت على حمايته، ومنحته هامشا كبيرا للمناورة، حتى لا يبدو في شكل التابع المهين الذليل مثل بعض توابع أمريكا من حكام المنطقة والعالم، والأهم من كل ذلك، أنه تمكن من تحقيق نجاحات داخلية ضمنت له الفوز بالأغلبية، ما يقرب من ثلاثة عقود مستقرة في ظاهرة فريدة في تاريخ تركيا الحديثة.
عند مطلع القرن، كانت إيران تحصد الكثير من الفوائد من حماقات الغزو الأمريكي لدول مثل أفغانستان والعراق، ثم من حماقات التدخل الأمريكي لنشر الديمقراطية في العالم العربي، والتي انتهت بثورات الربيع العربي، ثم ما أتبعها من ثورات مضادة، انتهت بإسقاط عدد من الأنظمة ثم تفكيك عدد من الدول المهمة، وقد تورطت فيها دول الخليج، وهي لا تفطن إلى أن وقوع جزء كبير من العالم العربي في الضعف المزمن عقب سقوط الأنظمة وسيادة الفوضى وانتشار الحروب الأهلية سوف يترتب عليه بالضرورة ضعف في موقف دول الخليج ذاتها، ظنت دول الخليج أن تساقط الدول العربية الكبرى من شأنه إخلاء الطريق أمام تقدم وصعود دول الخليج سواء الكبرى منها أو الصغرى، وقد ارتفعت أصوات في الفكر الخليجي ذات صلات وثيقة بدوائر الحكم، تعلن أن اللحظة الخليجية لقيادة العرب قد حان حينُها وجاء أوانُها، عاش الخليج وحكامه ومثقفوه في غفوة، تفوق موهوم وسكرة استحقاق للقيادة مزعوم، حتى وقعت إيران تحت حرب الأمريكان والصهيونية مرتين في تاريخين متقاربين في صيف 2025 وشتاء 2026، في هذه اللحظة فقط أدرك الخليج الحقيقة دون مواربة، الدولة الخليجية كفكرة لا تزال هشة، الدولة الخليجية كواقع تحيطها الأخطار من كل مكان، مرة من العراق وهو عربي، مرة من إيران وهو خطر قديم سابق على الجمهورية الإسلامية، كما هو سابق على نظام الشاه وأبيه، هو خطر كامن في حقائق الجغرافيا والديموجرافيا والتاريخ منذ زمن بعيد، حيث الاختلال البين في الموازين المعنوية والمادية للقوة بين إيران وجيرانها من دول الخليج منذ وقت مبكر جداً من التاريخ، عندما كان أهل الخليج مجرد قبائل غير ذات معنى سياسي ولا ثقافي ولا حضاري، إذا قورن بإيران في محتواها السياسي والثقافي والحضاري.
عندما خرجت إيران من سوريا؛ لتدخلها تركيا ودول الخليج، كان الظن أن إيران دخلت حقبة انكماش بعد ربع قرن من التمدد والتوسع في الإقليم على حساب جيرانها العرب، وقد ازداد هذا الظن ليس فقط مع سقوط الحليف السوري لإيران وصعود حليف سني مدعوم من تركيا والخليج، ولكن الظن ازداد- كذلك- مع الحروب الإسرائيلية الأمريكية ضد حلفاء إيران في لبنان وفلسطين واليمن، ثم أوشك الظن أن يكون يقيناً مع الخسائر الموجعة، التي تكبدتها إيران تحت حربين متواليتين بين صيف 2025 وشتاء 2026، لكن استطاعت إيران بشيء من الصمود في جبهات الحرب مع شيء من الحنكة في جبهات التفاوض أن تخيب الحسابات وتعكس الظنون حتى التبس السؤال: من الذي انتصر في الحربين أمريكا وإسرائيل أم إيران؟ وقد اختلف المراقبون والدارسون، وسوف يظلون مختلفين، لكن الخلاصة: إيران خسرت موضع قدمها في سوريا، كما خسرت من قياداتها ومواردها وقدراتها الكثير، لكنها بقيت كما كانت، بل وأشد مما كانت، من زاوية أنها القاسم المشترك في الشرق الأوسط، كانت وما زالت، أثبتت جدارتها في العامين الأخيرين في مواجهة تحديات عاصفة كانت كافية لتعصف عصفاً أكيداً بدول كثيرة، لكن إيران ثبتت بأقدام راسخة أمام عصف الريح التي داهمتها من قريب ومن بعيد.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "













0 تعليق