تنحدر كلمة “نكاية” وفق المعاجم والقواميس العربية من الفعل “نكى” وتعني التشفي في شخص ما وإغضابه. ونكى العدو أي جرحه وقتله، أو أصاب منه، أو قهره وغلبه، ونكى أو نكأ الجرح أي قشره قبل أن يشفى فراح يدمى. وله في اللغة مترادفات مثل التنكيل والإغاظة والإغضاب والتشفي والإيذاء.
هذا عن المعنى المعجمي للفظ، كما أن المتداول، الذي تناقلته الألسنة، وحمل مع توالي القرون شحنات دلالية جديدة، عبر تفاعله مع الواقع والتصورات والأهداف، فلم يخرج كثيرًا عن هذا لا سيما في تصور أو أيديولوجيا جماعات وتنظيمات تستعيد التراث بحمولاته التاريخية، ومفرداته اللغوية، إلى المعاصرة.
تعنى النكاية في السياق العسكري المبالغة في إيقاع الأذى أو الضرر أو الهزيمة بالعدو، أما في السياق الاجتماعي فهي التشفي أو الشماتة في آخر مكروه بهدف إغاظته أو الحط من شأنه أو إلحاق ضرر مادي ومعنوي به، يكون منبعه الغبن الشديد والحقد والإحن، لا سيما في الخلاف أو الاستقطاب السياسي الحاد، الذي ينطوي على تفسير أفعال الخصم بسوء نية، والتربص به، وانتظار أذاه، وهو في كل الأحوال قد يقتصر على التلفظ الكريه الممقوت، أو يمتد إلى فعل مادي عنيف، ويكون غالبًا مدمرًا أو مؤذيًا لطرفيه.
ومع أفكار وممارسات هذه الجماعات فرضت أسئلة نفسها على الواقع المعيش حول ماهية فقه النكاية؟ وما إذا كان يجوز استعماله في التعامل مع مخالفي الجماعات السياسية الإسلامية في زماننا هذا؟ وإلى أي حد يتم استعمال مسألة “شوكة النكاية” في هدم الدول؟ ولماذا تُفرِط بعض الجماعات والتنظيمات السياسية الإٍسلامية في النكاية ممن تعتبرهم خصومها، إن ماتوا أو سجنوا أو أصابهم مكروه؟
وفي استدعائها لمسار فقهي يُسهم في صناعة إيديولوجيتها العنيفة، رمزيًا ولفظيًا وماديًا، تمد هذه التنظيمات مسألة “النكاية”، إلى سلب الأموال وصولًا إلى الاستعباد والقتل، وهي إن اختلفت حول “القدر” الذي يجب تنفيذه، وما يختلف فيه العموم مع الخصوص في هذا الشأن، وما يجوز من النكاية بالعدو، إلا أنها في الممارسة العملية لم تلتزم بأي تريث أو مسامحة حال رؤيتها وتبنيها “النكاية”، بشتى أصنافها ووسع استعمالها، سبيلها الأولى بالاتباع لبلوغ التمكين.
ابتداء، تستعمل الجماعات والتنظيمات السياسية والمسلحة الإسلامية مصطلحى “شوكة النكاية” و”شوكة التمكين” في أدبياتها الجهادية أو القتالية، قاصدة بالأولى ذات السلاح والقوة والنفير، اتكاء على تأويلها الخاص للآية القرآنية السابعة من سورة الأنفال “وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ”.
وقد تطرق أبو قتادة الفلسطيني مؤسس حركة “أهل السنة والجماعة” عبر كتابه “الجهاد والاجتهاد” في رؤيته إلى شوكة النكاية باعتبارها الصدام المسلح الواضح مع الأنظمة الحاكمة بلا هوادة، في سياق تناوله لقتال “العدو القريب”، الذي وصف أهله بأنهم “كفار مرتدين من المسلمين”، وذهب إلى أن الصدام معهم قد يصل إلى حد حرب العصابات في المناطق المأهولة بالسكان، ومن بعد الصدام الذي يؤدي إلى الانقلاب على نظم الحكم، للإطاحة بها، في سبيل بلوغ “شوكة التمكين”.
وجاء كتاب “إدارة التوحش” المنسوب إلى اسم حركي هو أبو بكر ناجي، والذي يحمل أيديولوجية وتكتيك ما تسمى “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، المعروفة باسم “داعش” ليأخذ “النكاية” إلى تطبيق عملي يتمثل في إدارة مرحلة “التمكين” بالفعل، من خلال عمل التنظيم على تأمين أساس العيش للسكان الذين يقعون تحت سلطته، من مأكل ومشرب ومسكن وعلاج وخلافه، كجزء من سعيه إلى استمالتهم أو ضمان امتثالهم وخضوعهم لهذه السلطة.
وتبدأ إدارة التوحش بـ “شوكة النكاية”، وهي هنا إنهاك الجيوش النظامية التي تحمي السلطات الرسمية، التي تصفها بالمرتدة، بحيث تفقد السيطرة على مناطق جغرافية أو أقاليم معينة، فيفتح الطريق أمام أتباع التنظيم للانتشار والتمركز، وحيازة السلطة، لا سيما في الأماكن الطرفية، أو الرخوة التي تضعف فيها قبضة السلطة المركزية.
ثم تأتي المرحلة الثانية التي تعمل على إدارة الفوضى الناجمة عن القتال وانهيار سلطان الدولة في بعض الأماكن، حيث تغيب أو تضعف قواها الأمنية ومؤسساتها الرسمية الاقتصادية والاجتماعية والعدلية، فيقوم التنظيم بإيجاد البديل من خلال قوته الأمنية ومؤسساته الخدمية وخطابه الدعائي الذي يرتكز على مفاهيم مثل الطاغوت وضرب الأعناق والجاهلية وحدود الله وغيرها، وكذلك قضائه الشرعي، وبذا يتحول الإقليم المستولى عليه إلى ما يشبه إمارة داعشية، تعمل على امتلاك قدرات تمكنها من صد كل محاولات السلطة الرسمية لإعادة السيطرة على الإقليم من جديد.
وحين يطمئن التنظيم إلى إحكام السيطرة على جغرافية محددة ينتقل إلى المرحلة الثالثة وفيها يتم الإعلان عن إقامة “حكم إسلامي” وفق تصوره وهو “الخلافة”، لينطلق منها إلى الإغارة، والتطويق العسكري والأمني، لمن يراهم “أعداء” لسلبهم الموارد الاقتصادية، بمن فيهم السكان المنضوون تحت حكم السلطة الرسمية.
من هنا، وعلى المستوى العملياتي، يتطلب تطبيق “شوكة النكاية” لدى داعش استمرار الهجوم بلا هوادة بغية إنهاك الحكومة المركزية حتى تتخلى عن إدارة المنطقة التي يقصدها التنظيم، وهي تبدأ بعمليات محدودة لا تتوقف، ثم تتصاعد فستهدف تدمير البنية التحتية بالكامل، على يد خلايا أو مجموعات إرهابية منفصلة، تنشط في كل الدول المسلمة، حتى تعج بالفوضى، ولا يكون أمام مجتمعاتها من سبيل سوى القبول بحكم التنظيم، وذلك عبر خطوات محددة، أولها إنهاك القوات الحكومية والمتعاونة معها وتشتيت جهودها، ومنعها حتى من التقاط أنفاسها عبر عمليات متواصلة، وإن كانت محدودة. وثانيها العمل على تعبئة مقاتلين من كل حدب وصوب لخوض معارك على نطاق أوسع. وثالثها إخراج المناطق المستهدفة من قبضة السلطة المركزية. ورابعها تدريب المجموعات الجهادية على مختلف فنون القتال، وتأهيلهم للقيام بالمرحلة التالثة التي تسمى “إدارة التوحش”.
وتحت لافتة “ضربة عصا على رأس العدو” بلغت “النكاية” مدى مفرطًا مع تنظيم داعش، الذي يعد النكاية المرحلة الأولى في طريقه إلى السيطرة التامة على بعض الدول، والتي تمر بإدارة التوحش، حيث الإفراط في القتل والتدمير بغية إنهاك الدولة القائمة، وإسقاط سلطتها المركزية، والإحلال مكانها، كما سبق الذكر.
ولا تأتي فكرة “داعش” عن “النكاية” من فراغ إنما تسند إلى تأويلات للنصوص الدينية، واستدعاء للوقائع التاريخية، وإقحامها في سياق معاصر مغاير، وهي بعمومها لا تختلف عما اعتقدته ومارسته “تنظيمات جهادية” عدة، مثلما رأينا لدى “الجماعة السلفية للدعوة والقتال” في الجزائر، و”جبهة النصرة” في سوريا، و”الجماعة المقاتلة” في المغرب، ومثلها في ليبيا، و”جماعة شباب المجاهدين” في الصومال، و”تنظيم الجهاد” و”الجماعة الإٍسلامية” في مصر، قبل أن تقدم على مراجعة فكرية، و”جماعة أنصار الشريعة” في تونس، و”جماعة أهل السنة والجهاد ـ بوكو حرام” في نيجريا، وغيرها.
وقد امتد تطبيق “النكاية” في دول عديدة، وعن طريق مجموعات تسمى “المتبايعون على الموت” أقيمت معسكرات تدريب على أرض سوريا والعراق وليبيا، كما نشطت المجموعة، في وقت من الأوقات، على أرض شبه جزيرة سيناء في مصر.
وتتصور هذه الجماعات والتنظيمات المسلحة أن نجاح شوكة النكاية، وحدوث التمكين لها في بقعة من الأرض، سيكون نقطة انطلاق نحو ما تسميه فتح البلدان المجاورة، ومنها يمضي مقاتلوها في كل الأرض، للسيطرة على كافة البلدان، حتى في شرق آسيا وأعماق إفريقيا، وأوروبا والأمريكيتين، حسبما يطمحون أو يطمعون.
أما جماعة “الإخوان المسلمين” فقد رأيناها تمارس “النكاية” لفظًا عقب إسقاط حكمها في مصر، فما إن يموت واحد من المفكرين والأدباء والفنانين المدنيين الكبار حتى يسارع أتباع جماعة الإخوان وكتائبها الإلكترونية بالقول: “نفق فلان”، وهو فعل يطلق على الموتى من الحيوانات. ويتعجب عموم الناس من هذا القول الإخواني، وينعتون أتباع الجماعة بأنهم قوم شامتون متشفيون، لكن الأغلبية الكاسحة من المتعجيبن لا يدركون أن هذه الشماتة يبررها بعض أتباع الجماعة على أنها واقعة في قلب “فقه النكاية”.
ولم يقتصر الإخوان في بعض المراحل على النكاية لفظًا، بل نقلوها إلى جانبها الأخطر، والشق الثاني من تعريفها ومسارها، المرتبط بقهر من يعتبرونهم أعداءهم، لهذا تبدأ بعض التنظيمات المسلحة التابعة لهم مثل “حسم” في إنهاك الدولة اقتصاديا، وتعقب من تراهم أنصار السلطة السياسية بالتشويه أو التصفية، إن لزم الأمر.
وقد سوق “حسم ” أفعاله على أنها “عمليات نوعية” ترمي إلى إنهاك الدولة، بغية إسقاط السلطة، وزعم بعض قادته أن الانتقال إلى مثل هذه العمليات لا يعد خروجًا على منهج الجماعة، وقال هؤلاء إن “السلمية ليست من ثوابت الإسلام وليست من ثوابت الجماعة، وأن النزعة الجهادية استقرت كعقيدة فى صلب منهجية حسن البنا”، وهم في هذا يستندون إلى قول مؤسس الجماعة فى رسالته إلى مؤتمرها الخامس: “أما القوة فشعار الإسلام فى كل نظمه وتشريعاته، فالإخوان المسلمين لا بد أن يكونوا أقوياء ولا بد أن يعملوا فى قوة”.
وفي مطلع 2015 أصدر القيادي الإخواني محمد كمال، قائد تنظيم “حسم” الذي لقي مصرعه على يد قوات الأمن المصرية، دراسة مصغرة بعنوان “فقه المقاومة الشعبية”، استكمل بها دراساته السابقة فيما أسماه التأصيل الشرعي لوجوب مناهضة النظام الحاكم، مثل دراسات “زاد الثائر” و”دليل السائر” و”كشف الشبهات”، وهي جميعها تعد مرجعية لدى من انخرطوا في أعمال العنف من شباب الجماعة.
تعاملت هذه الدراسة مع الرئيس الراحل محمد مرسي على أنه “أول إمام تنعقد له بيعة صحيحة”، ومع دستور مصر الذي صدر عام 2012 وقت حيازة جماعة الإخوان للسلطة السياسية على أنه “عقد البيعة”، وأن الشعب المصري بموافقته على “الإمام” و”العقد” يجب أن يلتزم بطاعة مرسي وحمايته، واصفة نظام حكم ما بعد إسقاط الإخوان بأنه قد جمع رذائل البغاة والخوارج والمحاربين، أي المعتدين الخارجين على الملة، وعلى الإمام الشرعي، وبذا يستحقون حد الحرابة، وإعمال فقه النكاية فيهم، بقتالهم واستحلال أموالهم.
ووضع كمال عدة خطوات لتنفيذ تلك النكاية تحت لافتة “مراحل قتال النظام ورد الصائل”، تبدأ لديه بالتذكير عبر المؤتمرات والتظاهرات، ثم التهديد، بعدها يأتي الضرب، الذي يبدأ بمناوشات خفيفة مع قوات الأمن، ثم القتل، واغتيال رموز القوى المدنية التي وقفت ضد حكم الإخوان، وبعدها الدخول في عملية إنهاك الدولة واستنزافها، دون التورط في حرب شاملة مفتوحة على كل الجبهات، إنما هجمات نوعية، تتم وفق ما يقتضيه الموقف تأسيسًا على ما يسميه “فقه الموازنات”.
ومن هنا بدأت مطالبة “شباب الإخوان” وقتها بالإكثار من العمليات النوعية لأن “العمليات الشبابية غير المحسوبة على التنظيمات الكبيرة، يمكنها أن تسدد ضربات موجعة.”، كما طالبت الدراسة قيادات الإخوان بألا يتبرعوا بتخطئة هؤلاء الشباب ما دام التزموا بالخطوط العريضة للحراك، بل ينبغى أن يدعموهم وإن لم يكن فى العلن أو على المستوى الرسمى.
وقد وجهت انتقادات عديدة إلى تبني هذه الجماعات والتنظيمات “فقه النكاية”، حيث ترفض دراسات فقهية وسياسية عديدة التعامل مع “النكاية” على أنها نوع من الجهاد، وتنظر إليها باعتبارها عملًا وحشيًا، مفرقة في هذا بين بين العنف والجهاد، الذي يتعدى فقهيًا القتال ليبدأ بمجاهدة النفس، ومشروط بمبادئ أهمها: الوفاء بالعهد واحترام الإنسانية. من ثم فإن التجويع والتشفي والإضرار محرمة شرعًا، وإن سماه أصحابه جهادًا، ففي النهاية فإن الجهاد لا يُحِل حرامًا موجود بإفراط في تطبيق مسألة النكاية.
وهناك من رأى في “إدارة التوحش” كتابًا مجهول المؤلف الحقيقي، وإن كان قد وضع عليه اسم حركي هو “أبو بكر ناجي” وهناك شكوك قوية في أن هذا الكتاب، الذي تبناه داعش وفروعه وأشباهه، وقت قوته، قد وضعه جهاز استخبارات أجنبي، يسعى إلى تفكيك الدول العربية والإٍسلامية من خلال توظيف الدين والجماعات التي تمارس القتل باسمه.
ويوجد من ربط بين تنفيذ تصور “شوكة النكاية” وبين تطبيق مشروع “الفوضى الخلاقة” في البلدان العربية الذي سبق أن تحدثت عنه وزيرة الخارجية الأمريكية كوندليزا رايس.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "








0 تعليق