وزعت الجماعات السياسية الإسلامية الناس، وفق عقيدة “الولاء والبراء” على ثلاث فئات أو شرائح اجتماعية، الأولى تشمل من تراهم المؤمنين الخُلص من الأنبياء والصديقين والصالحين، وهؤلاء تنصرف إليهم المحبة خالصة، لا يشوبها أي قدر ولو ضئيل من عداء. والثانية تضم الكفار والمشركين والمنافقين والمرتدين والملحدين، وتجعل هؤلاء محل بغض شديد، لا يخالطه أي قدر من محبة أو موالاة. والثالثة هي عصاة المؤمنين، وهؤلاء يمكن محبتهم من وجه، وبغضهم من آخر.
ويرى الأزهر في تقرير له، أن المفهوم قد تعرض للتحريف من قبل تيارات متطرفة ومتساهلة في آن. وقد أدى هذا التحريف إلى ربط المفهوم بالكراهية أو الذوبان في الآخر، بينما يهدف الإدراك الصحيح للمفهوم إلى تحقيق التوازن بين التمسك بالعقيدة والتعامل الإنساني مع المخالفين، وهو “فهم وسطي، يعزز قيم التسامح والتعايش السلمي، ويحصّن الشباب ضد التطرف، ويدعم النسيج الوطني، ويقدم صورة حقيقية وإيجابية عن الإسلام كدين للرحمة والعدل.”
وفحص أدبيات الجماعات الإسلامية المسلحة أو المنخرطة في العنف يبين أنها في فهم “الولاء والبراء” وتطبيقه، قد غالت في عدة أمور، أولها، يتعلق بتصورها عن مفهوم الجماعة، وهي واسعة في الشرع، حتى تضم المسلمين جميعًا، لكنها ضيقة لدى هؤلاء لتقتصر على أعضاء التنظيم، وبدلًا من إدراكها تعددية يقرها القرآن الكريم حين يقول (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين)، نجدها تتعصب للتنظيم أو الجماعة وتوليها كل الانتماء والولاء.
وثانيها، أنها تعتبر الجماعة الصغيرة هذه مصدر الحق، أو أن الحق يقترن بها، ويدور معها، وثالثها، أن تبالغ في إعلاء منزلة قائد الجماعة أو أميرها، وتلزم الأعضاء بطاعته بشكل تام. ورابعها، أن تغالي في البراءة من المجتمعات المسلمة، رغم وحدة العقيدة، ووحدة الأصل الذي تحيل إليه، ويزيد هذا الغلو في تعامل أعضاء الجماعة أو التنظيم مع غير المسلمين.
أما رابعها، فيتمثل في وقوع هذه الجماعات في حزمة من الشبهات حال تبنيها الولاء والبراء، فهي تعتبره مسألة عقدية، أو شعبة من شعب الإيمان، ولذا تفتح بابًا واسعًا لإخراج كثيرين من دائرة الإيمان، أي تكفيرهم أو تفسيقهم عند الحد الأدنى. كما تتصور خطأ، أن البراء لا يتحقق إلا بإظهار عداوة واضحة صريحة، وترك المداراة حتى لو على سبيل التريث وتقديم العذر، والربط الصارم بين البراء الاعتقادي والبراء السلوكي.
والأمر الخامس، هو الخلط بين حالات عدة للولاء والبراء، فتخلط بين الولاء المطلق ومطلق الولاء، وتخلط بين المـصانعة في الدنيا والمـخالفة لأجلها، وبين الولاء في الدين، وتخلط بين قيام شعبة من شعبه وبين اقتضاء حضوره وتحققه كاملًا، فيما تخلط أيضًا بين الصلات الدينية مع غير المسلمين والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، التي يجب أن تقوم على مرجعيات أو أطر أخرى، دستورية وقانونية، وكذلك من التقاليد والأعراف وتبادل المصالح.
والأمر السادس، هو تحويل بغض الشرك والمعصية إلى بغض الأشخاص أنفسهم، حتى لو لم يتعرضوا للإسلام أو المسلمين بسوء، وكذلك اتخاذ “الولاء والبراء” ذريعةً للتكفير، والتحريض ضد المجتمع، واعتبار مجرد المعاملة الطيبة أو التعايش السلمي خيانة دينية.
وهناك أدلة عديدة من القرآن والسنة النبوية، تجعل فهم “الولاء والبراء” مستقيمًا بميزان الشرع، فالقرآن ينهى عن اتخاذ أعداء الدين أولياء في دعوى الكفر وكراهية التوحيد، وليس في مجال التعامل الدنيوي، بدليل قول الله تعالى (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمۡ أَوۡلِيَآءَ تُلۡقُون)، ومن ثم، نجد أن النهي صريح، هو عن موالاة الذين يحاربون الله ورسوله، بدليل قوله تعالى (لَّا تَجِدُ قَوۡمٗا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ يُوَآدُّونَ مَنۡ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ)، فيما تكون الولاية الحقيقية في العقيدة والإيمان، ودليلها إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فمن التزم بهما وجبت موالاته، وتركت معاداته، وهنا يقول الله تعالى (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمۡ رَٰكِعُونَ).
ويجيز القرآن الكريم البر والقسط والمعاملة الكريمة والإحسان إلى غير المسلمين المسالمين، بدليل قول الله تعالى (لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ).
أما السنة فقد جعلت الولاء والبراء خالصًا لله، حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (مَنْ أَحَبَّ لِلهِ، وَأَبْغَضَ لِلهِ، وَأَعْطَى لِلهِ، وَمَنَعَ لِلهِ، فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَان) ونهى الرسول عن التباغض وكل ما يشابهه من الأخلاق الذميمة، وهنا يقول: (لا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَال). أما في حق المسلمين من المعاهدين المسالمين، فقد جاء هذا التحذير النبوي الشريف؛ لينهى عن إيذائهم، حيث يقول الرسول (مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا).
وقد أصدرت دار الإفتاء المصرية بيانًا حول مسألة الولاء والبراء، ذكرت فيه أن تعامل الصحابة في مختلف المجتمعات المختلفة، التي عاشوا فيها في مكة والحبشة والمدينة ثم في مكة بعد الفتح، أبطل فكرة الولاء والبراء التي يتمسك بها المتطرفون، وبذا يكون إسقاط المتطرفين هذه المسألة على واقعنا المعيش ليست صحيحة، ومقصود بها خدمة أهداف لا علاقة لها بصحيح الإسلام.
ورأى مفتي الديار المصرية الأسبق د. علي جمعة، أن فكرة “الولاء والبراء” مخالفة لأهل السنة والجماعة، وأن ما ورد بشأنها في القرآن الكريم تم تفسيره خطأ، وتلويثه بأفكار وتصورات بشرية، تبنتها الجماعات المتشددة، وهو رأي يشاركه فيه الشيخ صالح الفوزان، حيث قال: “من غلا في التكفير في هذا العصر، ربما تعلق بباب الولاء والبراء، وهذا راجع إلى خلل في فهم المسألة ومضمونها، وليس لمجرد العنوان.”
ويقرر علماء الأزهر المعاصرون، وفق مرصد الأزهر، أن “الولاء والبراء” في الإسلام قائم على توازن بين حفظ صفاء العقيدة والتميز، لكن بدون ظلم للمخالفين أو منع التعايش أو منع البر والإحسان، الذي يحبه الله في جميع الناس، ويشير في هذا إلى فكرة “بيت العائلة المصري”، الذي يتعاون فيه الأزهر مع الكنيسة الأرثوذكسية بمصر، وكذلك إلى “وثيقة لأخوة الإنسانية” التي رأت النور عام 2019 بين الأزهر الشريف، والكنيسة الكاثوليكية، في سبيل نبذ العنف العالمي، وتحقيق التقارب، والتعايش السلمي بين أتباع الأديان المختلفة المبني على الحفاظ التام على هوية الأديان، وتعاليمها، وعقائدها مستقلة، وبمنأى عن غيرها دون خلط، أو تمييع. وهنا يتحدث الأزهر عن “الخيط الرفيع، الذي يفصل التعايش السلمي عن الذوبان الديني المنبوذ، الذي ينادي به البعض؛ نتيجة قصور الفهم، كما هي الحال في عدم التفريق بين حسن المعاملة، والعمل بمعتقد الولاء والبراء.”
ويبين الأزهر، أن الفهم الخاطئ لـ”الولاء والبراء” تسبب في أضرار اجتماعية عدة، حيث تصاعدت النزعات العدوانية والعنف اللفظي والجسدي داخل الأسرة والمدرسة وأماكن العمل؛ مما أثر سلبًا على تماسك النسيج الاجتماعي، خاصة أن التعصب الناتج عن هذا الفهم الخاطئ، لم يقف عند المخالفين في الدين، بل يمتد ليشمل المخالفين في بعض الآراء والأفكار من أبناء الدين الواحد. كما أدى إلى انتشار الكراهية وسوء الظن، وفقدان قيم الرحمة والتسامح والتعاون التي أمر بها الإسلام، وكذلك سهولة استقطاب الشباب للجماعات المتطرفة فكريًا. كما أثر سلبًا على صورة الإسلام كدين رحمة وتعاون، وفتح الباب واسعا أمام دعاوى الإسلاموفوبيا، التي صورت الإسلام، على أنه دين عداء وتمييز.
من هنا، فإن تصحيح الفهم العقدي للولاء والبراء بميزان الشريعة، ورؤيته في إطار القيم الإنسانية الإيجابية المشتركة، تساعد المجتمع على أن يصبح أكثر انسجامًا؛ بتعزيز روح التسامح والتعايش السلمي، التي “تنقل العلاقة مع الآخر من دائرة الشك والصدام إلى دائرة التفاهم والتفاعل البنَّاء”، وتتصدى لبذور الكراهية والطائفية، وتساعد الناس على مواجهة التحديات المستمرة في الحياة الدنيا.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "








0 تعليق