في اللحظة التي تقف فيها الحروب بين أطرافها، وفي جغرافيتها المباشرة، تبدأ ارتداداتها الانتشارية في المناطق الأكثر اتصالا بها، والتي كانت تراقبها عن كثب. في حرب إيران، بدت منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر جزءا أساسيا من ديناميات تلك الحرب، لا سيما أن إحدى الأوراق التي لوحت بها إيران في إدارة التصعيد مع الولايات المتحدة وإسرائيل كانت إغلاق مضيق باب المندب عبر جماعة الحوثيين في اليمن، بما يعني تعميق أزمة إمدادات الطاقة وحركة التجارة العالمية في ضوء أزمة مضيق هرمز.
ركزت الحركة الإقليمية المصرية في حرب إيران على بناء دور الوساطة مع تركيا والسعودية وباكستان، لكن عينيها بدت مصوبة أكثر على ما ستحدثه تلك الحرب من تداعيات على منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر، والتي تضم مصالح ذات أولوية للأمن القومي المصري، فأي إغلاق محتمل لمضيق باب المندب يعني الإضرار بقناة السويس. إضافة إلى أن الصراعات الإقليمية والدولية على كل من السودان والصومال وإثيوبيا وصوماليلاند وإريتريا، كدائرة مصالح حيوية لمصر، ستتأثر بدرجات متفاوتة، بنتائج حرب إيران.
كشفت حرب إيران عن تشكيل محور إسرائيلي- إماراتي لم يعد قاصرا على التطبيع السياسي والدفاعي، بل امتد إلى التنسيق الإقليمي في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، خاصة مع اعتراف تل أبيب بصوماليلاند، أرض الصومال في ديسمبر الماضي، والتغلغل الاستثماري والأمني لأبوظبي في هذا البلد في ظل سعيها للسيطرة على مواني المنطقة ومراقبة الحوثيين في اليمن كوكيل إيراني، وأحد التهديدات التي تحاول إسرائيل كبحها لإضعاف محور المقاومة الإيراني في المنطقة، بموازاة ذلك، تحاول إثيوبيا الحبيسة الوصول إلى البحر الأحمر، برغم أنها ليست إحدى الدول المتشاطئة، مستخدمة علاقتها مع إسرائيل والإمارات؛ للضغط على إريتريا، ما أشعل توترات حادة بين أديس أبابا وأسمرة، قد تُنذر بنشوب حرب إقليمية أيضا، فإن الدعم الإماراتي لميليشيا الدعم السريع في السودان لم يكن فقط بغرض استنزاف موارده المعدنية والزراعية، حتى لو اقتضى الأمر تدمير هذا البلد، إنما أيضا امتلاك موطئ قدم على البحر الأحمر لتفسح الطريق أمام حليفها الإسرائيلي، خاصة أن الخرطوم كانت إحدى الدول التي وقعت على اتفاقات إبراهام عام 2021.
في مواجهة ذلك، يتشكل محور إقليمي مضاد، يضم مصر والسعودية وتركيا بدت توافقاته أكثر من خلافاته في قضايا القرن الإفريقي والبحر الأحمر، وهو ما تعزز في ضوء تداعيات حرب إيران على توازنات القوى الإقليمية، التي مالت لصالح إسرائيل، إذ تقارب هذا المحور في دعم الجيش السوداني ووحدة الدولة الصومالية في مواجهة التوجهات الانفصالية لصوماليلاند، برغم أن هناك فجوات نسبية لا تزال قائمة حول العلاقات مع أديس أبابا، في ظل علاقات الأخيرة الوثيقة مع الرياض وأنقرة.
يسعى هذا المحور الإقليمي للاستفادة من احتمال التراجع الإماراتي الإقليمي في أعقاب نتائج حرب إيران؛ لتغيير توازنات القوى في الصراع السوداني، إذ إن الضغوط الأمنية والاقتصادية على أبوظبي بعد الحرب قد تحد من دعمها لميليشيا الدعم السريع، والتي تعاني حاليا انشقاقات في صفوف قادتها، ناهيك عن أن حرب إيران أبرزت درسا إقليميا، مفاده أن مصر والسعودية هما القوتان الإقليميتان اللتان يمكنهما حماية أمن البحر الأحمر حال إعادة تفعيل آلية الأمن الإقليمي، المتمثلة في مجلس دول البحر الأحمر، وهو خيار يمكنه مواجهة التهديد الحوثي والحد من النفوذ الأجنبي في الصومال وجيبوتي وإريتريا لمحاصرة الطموحات الإثيوبية؛ للوصول إلى البحر الأحمر، خاصة أن أديس أبابا لا تزال تتعنت مع مصر في أزمة سد النهضة.
إزاء تلك الديناميات المتحركة والمتشابكة في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، يسعى هذا الملف الخاص لمنصة مصر 360 إلى محاولة فهم المشهدين الإقليمي والدولي الراهن في تلك المنطقة، ومدى تأثرهما بحرب إيران، وكيف سينعكس ذلك على المصالح الحيوية للأمن القومي المصري من خلال مجموعة تحليلات نشرت على المنصة، والتي تبدأ من رؤية عامة لما ستفعله حرب إيران بالقرن الإفريقي والبحر الأحمر، ثم ستنتقل إلى كل من القضايا الرئيسية، خاصة في السودان واليمن، كنقاط ارتكاز حيوية للمصالح المصرية ستظهر فيهما ارتدادات حرب إيران.
لقراة الملف كاملا :
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "








0 تعليق