في مشهد تتداخل فيه حسابات الميدان ومعطيات الاقتصاد، يبدو أن الحرب في أوكرانيا تجاوزت مرحلة الاندفاع نحو مرحلة أشدّ تعقيداً وأبطأ وتيرة، إذ باتت معادلة الصمود اللوجيستي والاقتصادي هي الفيصل الحقيقي في تحديد مآلاتها.
وفي قراءة تحليلية نادرة تجمع بين الواقعية السياسية والمعطيات الميدانية، كشف الكاتب والباحث السياسي يفغيني سيدروف، خلال حديثه الـى "غرفة الأخبار" على سكاي نيوز عربية، عن رؤيته الشاملة لمسار الصراع الروسي-الأوكراني، مُفنِّداً كثيرا من الروايات السائدة حول حجم الضغط على موسكو، ومرسوما صورة أوضح لما يخبئه المستقبل القريب من مفاوضات وتسويات.
الحرب تحوّلت إلى استنزاف.. من يصمد أطول يحسم المعادلة
في مستهل حديثه، أشار سيدروف إلى أن المشهد الراهن في أوكرانيا يتّجه نحو معادلة إنهاك متبادل، مبيّناً أن روسيا تمتلك تفوقا واضحا في الموارد والقوى النارية، بينما ترتكز أوكرانيا على ورقتَي التكنولوجيا والضربات الدقيقة بعيدة المدى، سعيا لإحداث أثر اقتصادي ونفسي يتخطى حجمها العسكري المباشر.
وأوضح الباحث أن السؤال الجوهري في هذه الحرب لم يعد محدَّداً بالسيطرة على قرية أو مدينة صغيرة على خط الجبهة، بل انتقل كلياً إلى سؤال أكثر استراتيجيةً: من يستطيع الصمود اقتصاديا ولوجيستيا لفترة أطول في حرب استنزاف مفتوحة؟ هذا التأطير يُعيد رسم خريطة الحرب بمعايير مختلفة تماماً عمّا تروّج له التغطيات التقليدية.
لا مأزق روسياً.. والمشكلات ابنة طبيعة الحرب الحديثة
وفيما يتعلق بالوضع الروسي الداخلي، كان سيدروف قاطعا في نفي وجود مأزق حقيقي تواجهه موسكو، قائلا: "أنا لا أعتقد أن روسيا الآن تجد نفسها في مأزق." غير أنه لم يُغفل وجود مشكلات قائمة وحقيقية، مرجعا أسبابها إلى طبيعة الحرب الحديثة بكلّ ما تنطوي عليه من توظيف مكثّف للمسيّرات، واعتماد متصاعد على القطاع اللوجيستي، وتوسيع نطاق الضربات في العمق.
وإزاء حوادث بعينها، كحرائق المصافي التي أشعلتها ضربات أوكرانية، أقرّ سيدروف بوجود قدر من الضغط على الميزانية الروسية، إلا أنه شدّد على أن هذا الضغط "ليس كبيراً كما يحاول البعض تصوير حجمه"، مُضيفا أن ثمة مبالغةً واضحةً في تقدير تأثير هذه الاستهدافات.
منظومة الدفاع الجوي.. الرهان الأوكراني إلى زوال
توقّف سيدروف عند ما يمكن وصفه بأنه محور أساسي في المشهد المقبل، وهو مشروع المنظومة الجديدة للدفاع الجوي الروسي، التي تُدار من مركز واحد.
ورأى أن هذه المنظومة، متى اكتملت، ستجعل الدفاعات الجوية الروسية قادرة على التصدي بأقصى حد ممكن للاستهدافات الأوكرانية، ولا سيما تلك التي تصل إلى العمق الروسي، متوقّعاً أن تصل نسبة الاختراقات إلى "صفر قريباً" في حال أُنجزت المنظومة في أقرب وقت ممكن.
وفي هذا السياق، أشار إلى أن الرهان الأوكراني على المسيّرات لن يعدو كونه "تأثيراً مؤقتاً مرحلياً"، مؤكداً أنه سينتهي قريباً حين تصبح المنظومة الجديدة قادرة على تدمير معظم المسيّرات التي تحاول اختراق السماء الروسية والوصول إلى أهداف استراتيجية أو لوجيستية.
دونيتسك أولاً — ثم التفاوض يفتح أبوابه
أما على صعيد الأهداف الروسية المرحلية، فكان سيدروف صريحاً: تركّز موسكو حالياً على السيطرة الكاملة على مقاطعة دونيتسك، إذ لا يزال نحو خمسة عشر بالمئة من أراضيها خارج نطاق سيطرتها.
ويرى الباحث أن بلوغ هذا الهدف سيُشكّل منعطفاً فارقاً، يفتح الطريق أمام مباحثات ومفاوضات سلمية جادة تقترب من تسوية شاملة للصراع.
في ختام تصريحاته، تطرّق سيدروف إلى ما تداولته التقارير حول أزمة البنزين وطوابير محطات الوقود داخل روسيا، ليُطيح بهذه الصورة بحزم، مؤكداً أنه رأى بأم عينيه أن هذه الأخبار "مضخّمة جداً ولا تعكس الواقع".
وأضاف بثقة أن السلطات الروسية قادرة على معالجة هذه الأزمة في غضون أيام معدودة، متوقعاً أن تزول المشكلة بعد يومين أو ثلاثة أيام على الأكثر.
belbalady
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" سكاي عربية "












0 تعليق