أحوال الأطباء المصريين “لا تسر عدو ولا حبيب”… نقمات ما بعدها نقمات عن أحوال مهنة الرحمة بين الناس. ما كانوا حتى وقت قريب يُعرفون بكونهم متميزين؛ لكونهم ممن تفوقوا في دراساتهم المدرسية، يتعرضون اليوم لحالة من الظلم والغبن البين. بالتأكيد، هناك بعض الأطباء ممن هم يخرجون من تلك الأوصاف، لكن هؤلاء هم القلة، فبعضهم حالفهم الحظ؛ كي يظهروا تفوقهم العلمي، وبعضهم كانوا من العازفين عن البقاء في العمل المهني بداية، لكن الحديث هنا عن الأغلبية، التي ما برحت تقبع على صفيح ساخن؛ بسبب سياسات عدم المساواة، سواء بينهم وبين أقرانهم في الخارج من الأجانب أو المصريين، أو بينهم وبين بعض زملائهم في الداخل، أو بينهم وبين أصحاب المهن الأخرى التي عُرف عنها، أنها الأقل علما وجهدا وذكاء، بل أقل من حيث طبيعتها، باعتبار مهنة الطب هي مهنة الحفر في جسد الإنسان وسبر أغواره الفيزيقية والنفسية والعلاجية، مقارنة بمهن أخرى- على أهميتها- إلا أنها لا تعدو أن ترتبط فقط بعلاقات الإنسان بالإنسان أو بدولته.
رواتب أطباء الداخل مقارنة بالخارج
حتى وقت قريب كان عدد الأطباء- وبالطبع باقي أطقم التمريض– يتجهون للعمل في الخارج من خلال عقود عمل، وإجازات بدون راتب من الإدارات التي ينتمون إليها، وكان الاتجاه عادة هو بلدان الخليج العربي. اليوم اختلف الإجراء واختلفت الوجهة. إجرائيا، أصبح العمل في الخارج لا يرتبط فحسب بعقود عمل، قدر ما هو مرتبط باستقالات لعدم وجود تقدير كاف، وعائد مجز، يقي الأطباء من عوز الحاجة، ويمنح لهم القدر والمكانة، التي جُبِل عليها أصحاب تلك المهنة.
وفقا لمنصة مونكي إنسايدر وياهو فاينانس، يحصل الأطباء على أعلى دخول في العالم. وقد عدد المصدران السابقان أكبر 10 دول، أولها في سويسرا بدخل سنوي قدره 269 ألف دولار وأدناه في إيرلندا بمقدار 175 ألف دولار. وتبدأ الدخول المرتفعة من أطباء الجراحة، فالأسنان، فالقدم، فالصيادلة، فالعلاج الإشعاعي، فمساعدي الأطباء، فالممرضين، فتخصص العيون، فالبيطريين، فالعلاج الطبيعي. وبالنظر إلى مصر، يلاحظ أن راتب الطبيب يختلف حسب جهة العمل (عام/ خاص) وكذلك الأقدمية، لكنها عامة رواتب متدنية إلى أقصى حد ممكن. ففي القطاع العام والحكومي، يحصل طبيب الامتياز على 3200 جنيه، فالطبيب حديث التخرج على نحو 7000 جنيه، فالاستشاري على ما يتراوح بين 10-25 ألف جنيه. وفي القطاع الخاص يحصل الممارس العام على ما بين 6-12 ألف جنيه، ويرتفع أجر الاستشاري ضعفين أو ثلاثة أضعاف هذا الرقم.
هجرات للخارج بالجملة
من هنا، يتجه الأطباء بسبب تلك الرواتب المنخفضة للعمل في الخارج، ويتجه بعض منهم إلى بلدان الخليج العربي، حيث يحصل الطبيب على أكثر من عشرة أضعاف ما يحصل عليه في مصر. وبذلك تقوم مصر عمليا بالمساهمة في هجرة الأطباء، وتصبح موردا بشريا لهذا القطاع، وطاردا لأهم تخصص مؤثر في كافة كوادرها الفنية، وذلك بعدما صُرف على تعليم الطبيب الكثير من موارد الدولة في الجامعات العامة. كل ما سبق، يسبب عجزا كبيرا في عدد الأطباء، تعاني منه المستشفيات. هنا من المهم الإشارة إلى أن عدد الأطباء في مصر نسبة إلى عدد السكان هو 9 أطباء لكل 10 آلاف مواطن ، في حين أن المعدل العالمي هو 17-23 طبيب لكل 10 آلاف مواطن.
حالة العجز الطبي في المستشفيات المصرية، والتي كان من المفترض أن ترفع الرواتب أفضت إلى عكس ذلك، إذ زادت الأعباء المهنية على الكوادر الموجودة، مع بقاء الرواتب على حالها. ففي المستشفيات العامة؛ وبسبب النقص الحاد في أطباء النيابة (الأطباء المقيمون)، يقوم كبار الأطباء والاستشاريون بأعمال هؤلاء، ما يجعل ضغط العمل عليهم كبيرا، وتزداد تلك المشكلة وطأة بتضخم المسئولية الطبية عليهم، والتعرض للمهانة من قبل ذوي المرضى في الكثير من الأحيان.
مهن طبية لا تمارس مهنة الطب
يرتبط بما سبق، خروج عديد من خريجي المهن الطبية من العمل في مهنة الطب. إذ إن خفض الرواتب يجعل بعض الخريجين يتجهون للعمل في مهن أخرى، لا ترتبط بشكل مباشر بتخصصاتهم. خذ على سبيل المثال، العديد من خريجي مهنة العلاج الطبيعي، وكذلك خريجي الصيادلة، ويعملون في بعض شركات الأدوية كـ Call Center. هؤلاء يجدون في هذا العمل، الذي يمكن أن يقوم به أي خريج من الكليات النظرية، بل وخريجو الدبلومات الفنية، ما يمكن لهم أن يقيهم من عوز قد يتعرضون إليه لو عملوا بتخصصاتهم.
منحة الدكتواره وبدل العدوى
ولا تخرج الحوافز التي يتلاقها الأطباء عن السياسة السابقة للدولة تجاه الأطباء، إذ يتلقى الأطباء 100 جنيه شهريا نظير الحصول على درجة الماجستير، و300 جنية شهريا نظير الحصول على درجة الدكتوراه، ولا شك أن تلك المبالغ زهيدة؛ إذا ما قورنت بما يتقاضاه الأطباء في الخارج.
بدل العدوى هو الآخر واحد من الأمور التي يُغبن فيها الأطباء، إذ يتقاضى الأطباء ما بين 18-25 جنيها شهريا بدل عدوى رغم تعرضهم للكثير من المصادر الناقلة للأمراض. وقد طلب الأطباء إبان أزمة كوفيد 19 رفع بدل العدوى إلى 1000 جنيه، لكن طلبهم الذي وقفت الحكومة في مواجهته، رفضه القضاء. جدير بالذكر، أن هناك بعض الفئات من العاملين بالدولة، ممن لا يتعرضون إلى العدوى أصلا كموظفي التلر من العاملين بالبنوك، يتقاضون ما يربو على 1000 جنيه شهريا كبدل للعدوى!!
معاش الأطباء
نفس الأمر يحدث في تقرير معاش الأطباء، الذي يستفيد منه من تجاوز الـ60 عاما، إذ بعد خدمة طويلة يتقاضى الطبيب نحو 5300 جنيه شهريا كمعاش من الدولة ونحو 2000 جنية معاش من النقابة، وهو مبلغ لا يتناسب مع أعباء المعيشة. صحيح أن هذا المبلغ يقارب ما يتقاضاه باقي موظفي الدولة من أرباب المعاشات، ألا أن كل هذا وذاك يعتبر محدودا مقابل أعباء الحياة، والخدمات التي يحتاجها هؤلاء هم ومن يعولونهم.
ما العمل؟
لا شك أن واحدا من أهم الأعمال، التي يمكن أن ترفع الأعباء عن الأطباء، وكافة الطواقم الطبية هي العودة للمادة 18 من الدستور، التي نصت صراحة على أن تنفق الدولة 3% كحد أدنى على قطاع الصحة كنسبة من الناتج القومي الإجمالي، تتزايد لتتصاعد تدريجيا لتصل إلى المعدلات العالمية.
إلى اليوم تنفق مصر على الصحة، وفقا لموازنة العام 25/2026 617,9 مليار جنيه، ما يعادل 2,87% من الناتج الإجمالي المقدر في موازنة العام نفسه بـ 21480 ترليون جنيه، ما يعنى أن مصر بعد إقرار تلك المادة في دستور عام 2014 لا زالت تحبو حول أمل الـ3%.
جدير بالذكر، أن أعلى معدل إنفاق على الصحة هو في الولايات المتحدة ويبلغ 17,2% من الناتج الإجمالي، وفي السعودية يبلغ هذا المعدل 7,7%، ما يعنى إننا أمامنا الكثير لكي نلحق ببعض بلدان العالم الثالث أصلا. جدير بالذكر أيضا أن منظومة الصحة في مصر- التي ترفع من شأن أطقم التمريض والمرضى على السواء- لا زالت حتى اليوم عاجزة عما وعدت السلطة به، وأقره مجلس النواب، من سريان التأمين الصحي على مجمل المحافظات بداية من العام 2019. المعلوم أنه حتى اليوم لم تشمل تلك المنظومة سوى 6 محافظات فقط. كما أن الحاجة ملحة لتجهيز المستشفيات العامة بأسرة العناية المركزة، وتحديثا في منظومة العلاج المجاني، ناهيك بالطبع عن رفع رواتب وأجور الطواقم الطبية بما لا يخل بالحدين الأدنى والأقصى للأجور، ويحقق لكل هؤلاء كرامتهم.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "

















0 تعليق