في مقال نشرته صحيفة هآرتس مطلع أغسطس الجاري، طرح الأكاديمي الإسرائيلي أرييل هاندل سؤالاً، يستحق التوقف الطويل: ماذا لو لم يكن العنف المتصاعد في المجتمع الإسرائيلي مجرد أداة سياسة أو ضرورة أمنية، بل تحول إلى مصدر فرح بذاته؟
يذهب هاندل، إلى أن جيلاً كاملاً من “شباب قمم التلال”، ومن جنود الاحتلال ومن جمهور القنوات التلفزيونية اليمينية، لم يعد يمارس العنف مكرهاً أو مضطراً، بل بات يستمده كمصدر للهوية والانتماء والمتعة الجماعية. يستدعي هاندل ظاهرة “اليهود السعداء”، التي وثقها صحفيون إسرائيليون منذ عام 2015، أولئك الذين ينفذون عمليات انتقامية ضد الفلسطينيين بابتسامة، وينشرون إنجازاتهم بأسمائهم الكاملة على مواقع التواصل، دون أي خجل أو تردد. وهو يربط هذا التحول بصعود المكون الإثني القومي، الذي جعل الدولة تجسيداً للجماعة اليهودية لا دولة مدنية حديثة، فتراجع التنافر المعرفي القديم الذي كان يجعل الجندي يشعر بالذنب حيال عنفه، وحل محله شعور بأن العنف نفسه جزء أصيل من الهوية، لا مجرد أداة عرضية لها.
هذا التشخيص، على أهميته، ليس معزولاً عن سياق أوسع، كشف عنه مؤتمر الأمن القومي الإسرائيلي، الذي عقد في نهاية يوليو الماضي، بالتعاون بين معهد دراسات الأمن القومي وصحيفة يديعوت أحرونوت. ففي هذا المؤتمر، وقف العميد الاحتياط درور شالوم، الرئيس السابق لشعبة الأبحاث في الاستخبارات العسكرية، ليقول في أول ظهور علني له منذ تركه المنصب، إن حرب إسرائيل الممتدة منذ عامين تمثل فشلاً استراتيجياً مدوياً، رغم الإنجازات العملياتية. حماس لا تزال قائمة، وحزب الله بعيد عن نزع سلاحه، والبرنامج النووي الإيراني تأخر ولم يُنه، ومكانة إسرائيل الدولية عند أدنى مستوياتها. أما تامير هايمان، المدير التنفيذي للمعهد ورئيس الاستخبارات العسكرية الأسبق، فتحدث عن شبكة أمان أمريكية تتلاشى تدريجياً عن إسرائيل، التي باتت أشبه بلاعب يمشي على حبل مشدود. وحذر جادي آيزنكوت، رئيس الأركان السابق، من أن أي ترتيب سياسي يُبقي حماس في السلطة، سيكون هزيمة استراتيجية طويلة الأمد.
هذه لغة النخبة الأمنية: حساب بارد للمكاسب والخسائر، وقلق من تآكل الردع والشرعية الدولية والتحالف مع واشنطن والعزلة الدولية.
بين هذين الخطابين تكمن الفجوة، التي تستحق الوقوف عندها. تتحدث النخبة الاستراتيجية بمنطق ضبط النفس والحساب الدقيق للمخاطر، ويكشف استطلاع مؤشر إدراك التهديدات، الذي أصدره المعهد نفسه في يوليو الماضي، عن انفصال عميق عن الجمهور الذي يُفترض أن هذه النخبة تخاطبه وتقوده. سأل الاستطلاع مائة وسبعة وأربعين خبيراً أمنياً وأكاديمياً من جهة، وقرابة الألف مواطن من الجمهور العام من جهة أخرى، عن أخطر التهديدات التي تواجه إسرائيل خلال السنوات الخمس المقبلة. النتيجة كاشفة: سبعة وستون في المائة من الخبراء اعتبروا تآكل الطابع الديمقراطي للدولة من أخطر ثلاثة تهديدات، وخمسة وأربعون في المائة منهم رأوه التهديد الأخطر على الإطلاق، بينما لم تتجاوز هذه النسبة بين الجمهور العام واحداً وثلاثين، ومن ثم خمسة عشر في المائة على التوالي. في المقابل، اهتم الجمهور بالتهديد الإيراني النووي بنسبة تسعة وثلاثين في المائة مقابل ستة عشر في المائة فقط بين الخبراء. أي أن النخبة ترى الخطر الوجودي الحقيقي في الداخل، في انهيار المؤسسات والتماسك الاجتماعي، بينما ينشغل الجمهور بالتهديد الخارجي المباشر والملموس.
هذه الفجوة لا تقتصر على الإدراك، بل تمتد إلى الاستعداد الفعلي لممارسة العنف واستمراره. ففي استطلاع أجراه المعهد في يونيو الماضي، عبّر ثمانية وستون في المائة من الإسرائيليين عن توقعهم، أن تُضطر بلادهم لتجديد القتال ضد إيران خلال عام، وأيد اثنان وخمسون في المائة عملاً عسكرياً ضدها، حتى لو كلّف ذلك مواجهة مع إدارة ترامب نفسها، وتسعة وخمسون في المائة أيدوا الشيء نفسه تجاه لبنان. وفي استطلاع سابق له في إبريل، بلغت نسبة تأييد اليهود الإسرائيليين لمواصلة الحملة العسكرية اثنين وثمانين في المائة، في وقت كانت فيه النخبة الأمنية تتحدث بالفعل عن استنزاف استراتيجي بلا أفق.
أما على مستوى العلاقة بالفلسطينيين تحديداً، فقد كشف استطلاع أجرته جامعة بنسلفانيا في مارس من العام الماضي، أن اثنين وثمانين في المائة من اليهود الإسرائيليين يؤيدون تهجير سكان غزة قسراً، وأظهر استطلاع آخر، أجراه مركز أكورد التابع للجامعة العبرية، أن ستة وسبعين في المائة من اليهود يوافقون على مقولة، إنه لا يوجد أبرياء في غزة. وفي مفارقة تستحق التأمل، احتلت إسرائيل المرتبة الثامنة عالمياً في تقرير السعادة العالمي لعام 2026 للعام الثاني على التوالي رغم الحرب، بينما تراجعت في الوقت ذاته إلى المرتبة التاسعة والثلاثين في مقاييس القلق والحزن والغضب. وكأن العنف والحرب لم يعودا يهددان الشعور بالسعادة، بل أصبحا أحد مصادرها.
غير أن الوقوف عند هذا الحد، أي عند تصوير الفجوة كصراع بين عقلانية استراتيجية باردة لدى النخبة ومجتمع تحرر من قيمة ضبط النفس؛ ليستهلك العنف كمتعة خالصة، يحمل مغالطة أعمق ينبغي تفكيكها. فالعقلانية التي تتحدث بها النخبة الأمنية ليست عقلانية محايدة بالمعنى الأخلاقي أو السياسي المجرد، بل هي عقلانية وظيفية بيروقراطية تعمل بالكامل داخل حدود مشروع استعماري استيطاني توسعي، لم يعترف يوماً بحق الفلسطينيين في وجود سياسي متكافئ. حين يصف درور شالوم، الذي خدم لسنوات طويلة في مواقع قيادية حساسة داخل المؤسسة الأمنية والاستخباراتية الإسرائيلية الحرب، بأنها فشل استراتيجي، فهو لا يعترض على مشروعية الهيمنة على الأرض والشعب الفلسطيني، بل يعترض على سوء إدارة أدوات هذه الهيمنة: تآكل الشرعية الدولية، وتراجع الدعم الأمريكي، وغياب الحسم العسكري، الذي كان من الممكن أن يحقق الأهداف ذاتها بكلفة أقل، وزيادة العزلة الدولية. وحين يتحدث تامير هايمان، أحد أبرز الخبراء والمحللين الاستراتيجيين في مجال الأمن القومي والاستخبارات في إسرائيل حالياً، عن ضرورة الحفاظ على “الصمود الداخلي”، فهو يتحدث عن صمود مجتمع، يخوض مشروعاً استيطانياً ممتداً، لا عن مراجعة لهذا المشروع من أساسه.
بعبارة أخرى، النقد الذي توجهه النخبة الأمنية لمسار الحرب هو نقد إداري وظيفي لفعالية أدوات الهيمنة، وليس نقداً أخلاقياً سياسياً لمشروعيتها. وهذا يعني أن “ضبط النفس” الذي تدعو إليه هذه النخبة ليس نقيضاً للعنف، الذي يمارسه “اليهود السعداء” وشباب قمم التلال، بل هو الشكل الآخر والمُقنَّن لنفس الجذر: عنف الدولة المنظم والمحسوب مقابل عنف الأفراد المتحرر وغير المنضبط. كلاهما يصدر عن إنكار واحد لحق الفلسطينيين في الاعتراف السياسي المتكافئ، لكنهما يختلفان في الشكل والوظيفة. الأول عنف بارد يسعى لمراكمة الهيمنة بأقل كلفة دولية ممكنة، محافظاً على واجهة الشرعية والتحالفات الدولية، التي تسمح باستمرار المشروع على المدى الطويل. والثاني عنف حار يستهلك ذاته فوراً كمتعة ومعنى وجودي وهوية جماعية، حتى لو كلّف ذلك الشرعية والتحالفات نفسها.
من هنا، يمكن فهم أزمة الصمود الداخلي التي يحذر منها هايمان بوصفها أعمق من مجرد انقسام سياسي بين معسكر “الكابلانيين” المحتجين على الانقلاب القضائي ومعسكر اليمين الحاكم. إنها في جوهرها صراع بين جناحين داخل البنية الاستعمارية الواحدة على السؤال ذاته: كيف تُدار الهيمنة على الفلسطينيين بأقل كلفة ممكنة على المشروع نفسه؟ جناح يريد إدارتها بعقلانية، تحافظ على الشرعية الدولية والتحالف الأمريكي، بوصفهما شرطي بقاء المشروع في مداه الطويل، وجناح آخر يريد استهلاكها فوراً كمتعة ومعنى وجودي، حتى لو كلّف ذلك تلك الشرعية والتحالف. وما يبدو للوهلة الأولى تناقضاً بين عقل رشيد وغريزة عمياء هو في الحقيقة اختلاف في الأفق الزمني وفي حساب الكلفة داخل نفس المشروع، لا اختلاف في جوهره أو غاياته النهائية.
هذا التمييز يفسر أيضاً، لماذا تفشل نخبة الأمن القومي في تغيير الاتجاه الشعبي رغم كل تحذيراتها. فالجمهور الذي بات يستمد فرحه ومعناه من العنف، لا يرى في خطاب شالوم وهايمان دعوة لمراجعة جذرية، بل هو في أفضل الأحوال دعوة لإدارة أكثر كفاءة لحرب هو مستمتع بخوضها أصلاً. ولذلك جاءت نسبة من يعارضون إنهاء المواجهة مع إيران وحزب الله مرتفعة، حتى بعد أن أعلنت النخبة الأمنية نفسها، أن استمرار القتال بلا أفق استراتيجي واضح يهدد بإنهاك الدولة من الداخل، أكثر مما يحميها من الخارج.
الخطاب النخبوي حول “الرشادة الاستراتيجية” يفترض مجتمعاً، يمكن قيادته بالحجة والحساب، بينما الواقع أن طبقة شعورية وثقافية تحت هذا الحساب باتت تستبطن العنف كقيمة لا كوسيلة، وهذه الطبقة تسبق أي حساب استراتيجي، وتشكله أكثر مما يشكلها هو.
وربما يكمن أهم درس يمكن استخلاصه من هذا كله، بالنسبة لمن يراقب المشهد الإسرائيلي من الخارج، في أن انتظار تغيير جوهري في السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين اعتماداً على تحذيرات النخبة الأمنية من الفشل الاستراتيجي هو رهان خاسر سلفاً. فهذه النخبة لا تعترض على المشروع، بل على سوء إدارته، وحتى لو انتصر خطابها على خطاب “اليهود السعداء” وعاد ضبط النفس؛ ليكون القيمة السائدة، فإن ما سيتغير هو شكل الهيمنة وكلفتها، لا جوهرها ولا غاياتها. أما إذا انتصر خطاب المتعة والفرح بالعنف، كما تشير أغلب المؤشرات الحالية، فإن إسرائيل ستستمر في اختيار الحرب، لا لأنها تخدم مصلحة استراتيجية محسوبة، بل لأن الحرب نفسها باتت، كما يصفها أرييل هاندل، الباحث والأكاديمي الإسرائيلي البارز في مجالات الجغرافيا السياسية، مصدراً للسعادة التي لا يريد المجتمع الإسرائيلي أن يفقدها.
ويضاف إلى ذلك، أن هذا التحول في علاقة المجتمع الإسرائيلي بالعنف له كلفة إدراكية طويلة المدى، تتجاوز حساب الربح والخسارة السياسي الآني. فحين يصبح العنف مصدراً للهوية والانتماء، تفقد فئة واسعة من المجتمع قدرتها على تمييز اللحظة، التي يجب فيها التوقف عن استخدامه، لأن التوقف لم يعد مجرد قرار تكتيكي، بل بات يُعاش كفقدان لمصدر المعنى والسعادة ذاته. ولذلك فسّر هاندل الخوف من إنهاء الحرب، بأنه لا يقتصر على البعد الاستراتيجي المتعلق بعدم إنجاز الأهداف المعلنة، بل يحمل بعداً وجدانياً واضحاً هو الخوف من فقدان الطاقة الحيوية، التي تولدها هذه السعادة الجماعية. وهذا بالضبط ما يجعل خطاب النخبة الأمنية حول ضرورة التهدئة أو وقف التصعيد عاجزاً عن الإقناع، ليس لأنه غير منطقي، بل لأنه يخاطب حسابات لم تعد هي الحسابات، التي يقيم عليها جزء متصاعد من المجتمع علاقته بالحرب.
ولعل ما يستحق المتابعة في الأشهر المقبلة هو، ما إذا كانت هذه الفجوة ستتسع أم ستضيق مع تطورات الملف الإيراني، وملف غزة معاً. فإذا تجدد القتال مع إيران، كما يتوقع أغلب الإسرائيليين، فمن المرجح أن تتعمق حالة الاستقطاب بين خطاب النخبة، الذي سيستمر في التحذير من كلفة استراتيجية متصاعدة، وبين مزاج شعبي سيجد في أي مواجهة جديدة فرصة أخرى؛ لتجديد ذلك الشعور بالفرح والتماسك عبر العنف. أما إذا نجحت التسويات السياسية في تثبيت هدوء نسبي، فسيكون الاختبار الحقيقي هو ما إذا كان المجتمع الإسرائيلي قادراً على إعادة بناء علاقته بضبط النفس كقيمة، أم أن التحول الذي رصده هاندل قد أصبح عميقاً وبنيوياً بما يكفي ليستمر بحثاً عن أشكال أخرى للتعبير عن نفسه، سياسية كانت أو اجتماعية، حتى في غياب حرب فعلية على الجبهات الخارجية.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "

















0 تعليق