أخبار عاجلة

بالبلدي: اتفاق مكة: التحالف الذي لا يعرف عدوه

بالبلدي: اتفاق مكة: التحالف الذي لا يعرف عدوه
بالبلدي: اتفاق
      مكة:
      التحالف
      الذي
      لا
      يعرف
      عدوه

يذكر التاريخ، أن التحالفات الكبرى لا تقوم على النيات الحسنة أو التشابه السياسي والثقافي فحسب، بل على إدراك مشترك للتهديد أو لمصالح استراتيجية، لا يمكن التعامل معها بصورة منفردة.

من هذا المنطلق، نشأ حلف شمال الأطلسي استجابة لتهديد الاتحاد السوفيتي بعد الحرب العالمية الثانية، وكذلك جاءت نشأة حلف وارسو لمواجهة المعسكر الغربي، والذي انتهى بدوره بانتهاء البيئة الاستراتيجية التي أنشأته في حينها.

وهكذا، بنيت فكرة حلف بغداد بين بريطانيا وتركيا وإيران وباكستان والعراق؛ لبناء حزام أمني في الشرق الأوسط ضد التمدد السوفيتي وعارضته مصر في حينها.

كل حلف كان يعرف عدوه، ويحتفظ بتعريف موحد للتهديد. فكثير من التحالفات لا تسقط بفعل ضغط خارجي، بل تتآكل داخليا، عندما يختلف أعضاؤها حول تعريف طبيعة الخطر أو مستوى الالتزام المطلوب.

من هنا يظهر السؤال: ما الذي يربط التحالفات الناشئة مؤخراً في الشرق الأوسط؟ هل هو العدو المشترك؟ أم تقاطع المصالح الأمنية؟ أم مزيج من الاثنين؟ أم من فكرة إعادة تشكيل مفهوم الأمن الإقليمي، الذي تراجعت فيه الضمانات التقليدية، وازدادت فيه الحاجة لترتيبات أمنية تصلح الثقوب التي كشفتها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران؟

الأسئلة كلها مطروحة، خاصة مع ظهور مظلة أمنية جديدة، تجمع المملكة العربية السعودية وباكستان وتركيا معا، وتحمل عنوان الدفاع المشترك، ولكن.. ضد من؟

منطق التحالف الجديد

تطبيق قاعدة العدو المشترك على اتفاق مكة، يكشف منذ البداية عن مفارقة يصعب تجاهلها: من هو عدو هذا التحالف تحديدا؟

فالبيانات الرسمية تحرص على القول، إن الاتفاق لا يستهدف دولة بعينها، كما أن الدول الثلاث لا تتطابق أصلا في ترتيب مصادر الخطر عليها وتنفي أن إيران هي العدو.

إيران التي تبدو تهديدا مباشرا للأمن السعودي، ليست بالضرورة الخصم الأول لباكستان، التي يظل ميزانها الأمني محكوما بدرجة كبيرة بعلاقتها مع الهند، كما أن حسابات تركيا تمتد من إسرائيل وشرق المتوسط إلى المسألة الكردية والبحر الأسود وعلاقاتها داخل حلف شمال الأطلسي.

وإذا كان العدو المشترك غير واضح أو بالأحرى غير معرف، فإن ما يجمع الدول الثلاث هو مسمى يفرض نفسه: القوة.

السعودية ليست فقط صاحبة الثقل المالي والنفطي، وإنما تقع في قلب الخليج وعلى مقربة من أهم ممرات الطاقة في العالم، وتملك القدرة على تمويل منظومات دفاعية وصناعات عسكرية واسعة.

وتركيا تملك قدرة على تمويل منظومات دفاعية وصناعات عسكرية واسعة، وتمتلك واحداً من أكبر جيوش حلف شمال الأطلسي وقاعدة صناعات دفاعية متسارعة النمو وخبرة عملياتية ممتدة من سوريا إلى ليبيا والبحر الأسود.

أما باكستان، فتضيف طبقة الجيش الكبير والخبرة العسكرية الطويلة، فضلا عن كونها القوة النووية الوحيدة بين أطراف الاتفاق.

بهذا المعنى ومع غياب تعريف العدو، نصبح أمام تحالف قوى والفارق ليس لغويا، فالتحالف الذي يقوم على عدو واحد، يعرف مسبقا تقريبا لماذا سيقاتل.

أما تحالف القوى، فيحتاج لشيء أكثر تعقيدا وهو تحديد (الخطر المشترك).

وهنا تحديدا تصبح صياغة اتفاق مكة أوضح، فبدلا من تسمية الخصم، يتحدث الاتفاق عن المصالح الاستراتيجية المشتركة، والردع المشترك، وتكامل القدرات الدفاعية، وهي عبارات تسمح للدول الثلاث ببناء مظلة أمنية مشتركة، بدون إجبارها على الاتفاق على تسمية العدو.

تحالف قوى

إذا كان اتفاق مكة، يبدو في بنيته تحالف قوى أكثر منه تحالف يقوم على عدو واحد، فإن بند الدفاع المشترك يصبح هو الاختبار الحقيقي لهذه الصيغة.

فالنص الذي يعتبر أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوما على الجميع، يبدو في البداية شديد الصلابة، لكنه يطرح سؤالا صعبا: ماذا يحدث إذا لم تتفق الدول الثلاث أصلا على تعريف الخطر أو على أولوية العدو؟

هنا تظهر حدود البند بوضوح. فالرد الجماعي يبدو تلقائيا حتى الآن، وآليات اتخاذ القرار ليست معلنة، كما أن كل دولة تحتفظ بحساباتها السيادية وعلاقاتها في تحالفات قائمة.

ولذلك، فإن قيمة البند لا تكمن فقط في ضمان التدخل العسكري، بل في أثره الردعي؛ أي في جعل الخصم مضطرا لحساب مجموع قدرات الأطراف الثلاث لا قدرات الدولة المستهدفة وحدها.

من هذه الزوايا، فالاتفاق يحاول رفع كلفة التفكير في الهجوم والحرب مسبقا. وهنا تلتقي فكرة تحالف القوى مع فكرة حماية المصالح؛ لأن الرد لا يحمى حدودا فقط، بل يحمي منشآت الطاقة، والمواني، وخطوط الملاحة، وسلاسل الامداد والمصالح الاقتصادية، التي باتت جزءا من تعريف الأمن نفسه.

ولهذا، فإن التصريحات التي أعقبت الاتفاق وربطته بأمن الطاقة والممرات والاستقرار الاقتصادي ليست تفصيلا جانبيا، بل تكشف الوظيفة الأوسع لبند الدفاع المشترك بتحويل التهديد لهذه الشبكات الحيوية من شأن محلي إلى مخاطرة، قد تستدعي موقفا جماعيا. وهنا يبدو الاتفاق كمظلة لحماية حركة القوة والاقتصاد، تتكامل بشكل واضح مع اتجاه المملكة العربية السعودية في إنشاء قوة بحرية لتأمين حركة الاقتصاد والممرات والمواني.

لكن يبقى العنصر الأكثر تميزا في هذا التحالف باكستان نفسها. فإسلام آباد لا تضيف إلى الاتفاق جيشا كبيرا فحسب أو مجرد خبرة عسكرية ضخمة، بل تضيف عنصرا أكثر حساسية وهو امتلاكها للسلاح النووي، لتصبح الدولة النووية الوحيدة داخل هذا الترتيب الأمني الجديد.

ولا يعني ذلك بالضرورة وجود مظلة نووية مشتركة، ولا يعني انتقال الرد النووي الباكستاني لباقي أطراف الاتفاق، لكن مجرد وجود هذه القدرة داخل التحالف يفرض طبقة جديدة من الحسابات السياسية والعسكرية ولهذا السبب تحديدا، تبدو باكستان، وكأنها تقدم إلى التحالف ما هو أكثر من السلاح والجنود والخبرة العسكرية: فهي تقدم عنصر الردع الاستراتيجي، حتى لو لم يكن معلن بصورة واضحة.

لماذا الآن؟

لم يظهر اتفاق مكة فجأة، كما أنه ليس وليد اللحظة، بل جاء نتيجة تحولات متراكمة، شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، فالمظلة الأمنية الأمريكية لم تعد تتمتع باليقين، الذي تمتعت به لعقود طويلة، والحروب الأخيرة كشفت تغير طبيعة التهديدات، بعد أن أصبحت الممرات البحرية ومنشآت الطاقة والمسيرات جزءا أساسيا من المشهد الأمني الجديد.

في الوقت نفسه، أدركت دول المنطقة، أن امتلاك السلاح وحده لا يكفي، ومن هنا بدأت في بناء الشبكات المتكاملة للتعاون والتنسيق وتحديث التجربة وتبادل المعلومات كضرورة لا كخيار.

من هنا، يمكننا أن نقول إن الاتفاق تعبير عن مرحلة جديدة، تحاول فيها دول المنطقة بناء ترتيبات أمنية أكثر مرونة، وأقل اعتمادا على القوى الخارجية، وأكثر ارتباطا بالمصالح الاقتصادية ومسارات التجارة والطاقة

مصر وحسابات التحالف

لم تكن مصر تاريخيا دولة رافضة للتحالفات، لكنها لم تتعامل معها أيضاً باعتبارها التزاما ثابتا، في كل مرة انتمت أو دخلت تحالفا، ارتبط القرار بتعريف واضح للخطر وبحساب مباشر للمصلحة المصرية والظرف الإقليمي المحيط.

في خمسينيات القرن الماضي، عارضت مصر حلف بغداد، ليس لأنها كانت ترفض العمل الجماعي، بل لأنها رأت أن الحلف يعكس أولويات القوى الكبرى، أكثر مما يعكس أولويات المنطقة.

في المقابل، وفي عام 1991 شاركت مصر في حرب تحرير الكويت، حينها كان اجتياح دولة عربية وتهديد الخليج، مسألة تمس توازن النظام العربي، ومصالح القاهرة المباشرة، وانضمت أيضا إلى التحالف العربي في اليمن في عام 2015، لكنها اختارت منذ البداية مستوى المشاركة وحدوده، حضور جوي وبحري وارتباط واضح بأمن البحر الأحمر وباب المندب، من دون تحويل المشاركة إلى انخراط مفتوح.

وفي الوقت نفسه، ظللت القاهرة من أبرز الداعين إلى فكرة قوة عربية مشتركة، عندما رأت أن التهديدات المحيطة بالدول العربية تستدعي قدرة جماعية على التحرك.

فخلال السنوات الأخيرة، ظلت القاهرة من أكثر العواصم حديثا عن أهمية بناء شبكات للتنسيق الأمني والعسكري، لكنها تمسكت في الوقت نفسه بمبدأين ثابتين: أولهما الحفاظ على استقلالية القرار العسكري، وثانيهما رفض الالتزامات المفتوحة، التي تسمح لدول أخرى بتحديد توقيت الحرب أو تعريف العدو نيابة عنها.

أي أن المسألة بالنسبة لمصر لم تكن يوما: تحالف أم لا تحالف بقدر ما كانت ضد من، ولأي هدف، وبأي درجة من الالتزام؟

هذه الخلفية تجعل الغياب المصري عن اتفاق مكة مثيرا للاهتمام؛ لأنها لم تكن خارج المسار الذي سبق الاتفاق. ومنذ مارس 2026 تشكلت رباعية جمعت مصر والسعودية وتركيا وباكستان، ثم حضرت مصر اجتماع أنطاليا في إبريل، واستمر المسار حتى الاجتماع الرابع الذي استضافته مصر نفسها في القاهرة في الحادي والعشرين من يونيو، ولم تكن الاجتماعات بروتوكولية فحسب، بل ناقشت الأزمات الإقليمية، والحرب مع إيران، وسبل التنسيق بين الدول الأربع.

لذلك، يصعب تفسير انتقال المشهد بعد أسابيع قليلة من الرباعي إلى اتفاق دفاع مشترك بين ثلاث دول، باعتباره مجرد خروج مصري من معادلة غير مناسبة. والأكثر دلالة، أن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قال بعد توقيع اتفاق مكة: إن مصر تظل مرشحة للانضمام بعد معالجة مسائل وصفها بأنها فنية.

هنا يعود منطق التحالفات المصرية إلى الواجهة، فالقاهرة كانت حاضرة عندما كان الإطار قائما على التشاور وإدارة الأزمات والتنسيق الإقليمي، بينما لم تظهر عند الانتقال لالتزام يقوم على اعتبار الهجوم على طرف هجوم على الجميع. ولا يكفي ذلك لإثبات وجود خلاف، لكنه يطرح سؤالا: هل يتعلق الأمر بترتيبات فنية فعلا، أم بدرجة الالتزام التي تقبل مصر أن تربط بها قرارها العسكري؟

والفرق مهم؛ لأن التجربة المصرية تشير لاستعداد واضح للمشاركة في ترتيبات أمن جماعي، حينما يكون التهديد والمهمة وحدود التدخل محددة، مقابل حذر أكبر تجاه الالتزامات المفتوحة، التي قد تجعل تعريف دولة أخرى للعدو ملزما للقاهرة.

أسئلة مفتوحة

يبقي السؤال الأكبر هو، ما إذا كان اتفاق مكة يمثل بداية لنظام أمن جديد في الشرق الأوسط، أم أنه مجرد استجابة مؤقته لمرحلة إقليمية مضطربة؟

فقد نجحت الدول الثلاث في جمع عناصر مهمة للقوة العسكرية والاقتصادية والسياسية، لكن السؤال الأصعب يتعلق بقدرتها على تحويل هذه القوة لرؤية استراتيجية مشتركة، فإذا نجحت في ذلك قد يتحول الاتفاق إلى نواة لنظام أمني جديد في الشرق الأوسط.

أما إذا فشلت فقد يبقى تحالف كبير، يملك القوة، ويفتقر إلى الشيء الوحيد الذي تحتاجه التحالفات لتبقى: تعريف واضح لما تخشاه وتقاتل من أجله.

إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"

المصدر :" masr360 "

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق بالبلدي : جوهر نبيل يحفز لاعبات منتخب اليد للناشئات بعد التأهل لنصف نهائي كأس العالم: المكافآت في انتظاركن
التالى بالبلدي: وظيفة جامعة.. جامعة صحار تعلن عن وظائف أعضاء هيئة التدريس.. قدم الآن

 
محطة التقنية مصر التقنية دليل بالبلدي مجو تكنوستيشن أضف موقعك
إعلان متجاوب
● مباشر
...× إغلاق
..........
إعلان
25
  • adblock تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ??

أضف موقعك الآن عندنا غير
ضع موقعك هنا وإنت الكسبان اضف موقعك
???? بالبلدي✨بالبلدي???? أضف موقعك الآن
???? أضف هنا ????✨ ⚡✨ ⚡✨ ⚡ أضف موقعك ✨???? هنا⛈️✊⚽⌨️⏳❌✅❎☑️✔️☪️®️©️™️بالبلدي???? مجلة بالبلدي???? أضف هنا???? إضغط هنا???? أضف هنا⁦(⁠^⁠^⁠)⁩???? أضف موقعك هنا