تحت رعاية الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بأعمال وزير الثقافة، واللواء أركان حرب هاني رشاد، محافظ السويس، نظمت الهيئة المصرية العامة للكتاب، ضمن فعاليات البرنامج الثقافي لمعرض السويس الرابع للكتاب، ندوة ثقافية بعنوان «السويس في ملف السمسمية لليونسكو»، بمشاركة الكاتب والصحفي محمد بغدادي، والدكتور محمد شبانة، والأستاذ عاطف كابوريا، والفنان موسى أحمد موسى، وأدارها الكاتب والباحث أنور فتح الباب.
وأكد أنور فتح الباب، الباحث في التاريخ والثقافة المصرية، أن آلة السمسمية ارتبطت بتاريخ السويس منذ عصور مبكرة، مشيرًا إلى أن العمال الذين شاركوا في حفر قناة السويس اصطحبوا معهم آلات موسيقية مثل «الكنر» أو «السامبيكا»، التي تطورت لاحقًا إلى آلة السمسمية، لتنشأ علاقة وثيقة بينها وبين العمل وركوب البحر، قبل أن ينتشر استخدامها بصورة أكبر مع أعمال حفر قناة السويس في عصري سعيد باشا والخديو إسماعيل.
وفي كلمته، تناول الكاتب والصحفي محمد بغدادي شخصية الكابتن غزالي، باعتباره أحد «الكنوز البشرية الحية»، ودوره الوطني في جمع وتدوين التراث الشعبي، خاصة أغاني «الحنة السويسي» وفنون القول المصاحبة لآلة السمسمية.
وأوضح بغدادي أن الحديث عن الكابتن غزالي لا ينفصل عن تاريخ السويس، المدينة التي وصفها بأنها «مدينة لا تعرف الخوف، تكره الحزن وتعشق الحياة»، مشيرًا إلى أن طبيعتها التاريخية جعلتها ملتقى لثقافات وجنسيات متعددة، إذ كانت مقصدًا للوافدين والقوافل والحجاج، وهو ما أسهم في تشكيل نسيج اجتماعي وثقافي متنوع انعكس على تراثها الشعبي والغنائي.
وأشار إلى أن السويس ظلت عبر تاريخها مدينة مرتبطة بالبحر والعمل والسفر، فكان الغناء حاضرًا في حياة أهلها خلال العمل والصيد وصناعة القوارب، وكذلك في المناسبات الاجتماعية، ومنها حفلات الزواج وليلة الحنة، مؤكدًا أن «الحنة السويسي» تعد من أبرز طقوس الغناء الشعبي في المدينة.
واستعرض بغدادي تفاصيل هذه الطقوس، التي تبدأ بتجمع الأهل والأصدقاء وتزيين المكان، ثم انطلاق موكب الحنة بمشاركة فرق السمسمية، وأداء الأغاني والأدوار الشعبية بصورة جماعية تعتمد على تفاعل قائد الفرقة مع الحاضرين. وأكد أن هذا التراث الغنائي يعكس التنوع الثقافي الذي شهدته السويس، خاصة أنها كانت حتى منتصف القرن العشرين مدينة كوزموبوليتانية تجمع أبناء محافظات مصرية مختلفة إلى جانب جنسيات أوروبية متعددة.
وانتقل بغدادي إلى الدور الوطني للسمسمية خلال فترات الحرب، مؤكدًا أن الغناء تحول بعد هزيمة يونيو 1967 إلى وسيلة للمقاومة والصمود، وكان الكابتن غزالي في مقدمة من وظفوا هذا التراث الشعبي في خدمة القضية الوطنية.
وأوضح أن غزالي أسس فرقة «أولاد الأرض»، التي قدمت أغنيات وطنية وحماسية عبر آلة السمسمية، بهدف رفع الروح المعنوية للمصريين وشحذ همم الجنود والمقاومين. وطافت الفرقة المدن والقرى والنجوع المصرية، وأصبحت أغانيها جزءًا من الذاكرة الوطنية خلال حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر.
وأكد بغدادي أن الكابتن غزالي لم يكن شاعرًا بالمعنى التقليدي، وإنما كان موظفًا بسيطًا وواحدًا من حفظة التراث الشعبي، وهو ما جعله قادرًا على استلهام الأغاني والأدوار السويسية القديمة وإعادة توظيفها في أغنيات وطنية، تحولت بمرور الوقت نفسها إلى جزء من التراث الشعبي للمدينة.
وأشار إلى أن غزالي أصبح رمزًا للمقاومة، وتحول دكانه البسيط إلى ملتقى للمثقفين والمبدعين، حيث زاره عدد من كبار الشعراء والمفكرين، ومن بينهم صلاح جاهين وأمل دنقل ومحمود درويش ورجاء النقاش وعبد الرحمن الأبنودي، الذي كتب في السويس ديوان «وجوه على الشط».
كما تناول بغدادي كتاب «فات الكتير يا بلدنا.. عن حياة الكابتن غزالي وتجربة ولاد الأرض»، للكاتب الراحل حسين العشي، باعتباره وثيقة مهمة تؤرخ لتجربة غزالي ودور فرقة «أولاد الأرض» خلال سنوات الحرب والحصار، وتكشف جانبًا من الأغاني التي ارتبطت بالصمود والمقاومة.
من جانبه، تناول الدكتور محمد شبانة دور اللجنة الوطنية المصرية في إعداد ملف السمسمية لتسجيلها ضمن التراث الثقافي غير المادي، موضحًا أن الجهود بدأت منذ عام 2018، بينما انطلقت الخطوات العملية لإعداد الملف عام 2020، من خلال جولات ميدانية شملت مدن القناة وسيناء ومدن البحر الأحمر وأسوان.
وأشار شبانة إلى أن جائحة كورونا عطلت جانبًا من هذه الجهود، قبل استكمال العمل من خلال تشكيل المجموعة الوطنية المصرية وتقديم الملف، موضحًا أن المملكة العربية السعودية شاركت في تقديم الملف، باعتبار أن آلة السمسمية معروفة لديها أيضًا، لافتًا إلى أن اليونسكو لا تنظر فقط إلى الأصل التاريخي للآلة، وإنما إلى وجودها واستمرار ممارستها وانتشارها.
وأكد أهمية الدور الذي يقوم به معهد الفنون الشعبية، الذي تأسس عام 1981، في حصر الموروث الشعبي والحفاظ عليه، وإعداد أجيال من الباحثين المتخصصين في هذا المجال.
وتحدث عاطف كابوريا عن صناعة آلة السمسمية، باعتباره أحد صناعها، مستعرضًا مراحل تصنيعها وآليات الحفاظ عليها، كما تناول تراث الفنان سيد كابوريا، أحد أبرز حفظة تراث السمسمية وأغاني «أولاد الأرض».
بدوره، استعرض الفنان موسى أحمد موسى مراحل تطور آلة السمسمية، موضحًا انتقالها من السلم الخماسي إلى السلم السباعي، وصولًا إلى خمسة عشر وترًا، مؤكدًا جهوده في تعليم أجيال جديدة العزف على الآلة والحفاظ على تقاليد أدائها. وقدم خلال الندوة عددًا من الألحان والأدوار والموشحات على السمسمية، وسط تفاعل كبير من جمهور المعرض ومشاركته في الغناء.
وفي ختام الندوة، أكد أنور فتح الباب أهمية الدور الذي تضطلع به منظمة اليونسكو في حماية التراث الثقافي غير المادي، مشيرًا إلى اتفاقية عام 2003 التي أقرتها المنظمة في هذا الشأن، وصدقت عليها مصر بقرار جمهوري عام 2005.
ودعا إلى إنشاء مدرسة أو أكاديمية متخصصة في السمسمية، تتولى إعداد جيل جديد قادر على تعلم صناعة الآلة وإتقان العزف عليها وحماية تراثها من الاندثار، كما شدد على ضرورة إنقاذ ما تبقى من تراث فرقة «أولاد الأرض»، خاصة الشرائط والتسجيلات القديمة، والعمل على تحويلها إلى صيغ رقمية وإتاحتها إلكترونيًا، بما يضمن بقاء هذا التراث جزءًا حيًا من ذاكرة السويس والوطن.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" جريدة الزمان "




