كان من الطبيعي أن تثير تصريحات هابتامو إيتيفا، وزير المياه والطاقة الإثيوبي، مؤخرًا، بشأن تحكم بلاده مستقبلًا في تدفقات مياه النيل نحو مصر والسودان وتصميم أديس أبابا على بناء مزيد من السدود «كجزء من حقها في استخدام مواردها المائية من أجل التنمية»، ردود فعل مصرية عنيفة من جانب عدد من الخبراء ووسائل الإعلام والشخصيات المقربة من الحكومة المصرية على حد سواء.
واتسمت هذه الردود بالتأثر والرد اللحظي، وإطلاق رسائل متضاربة بين تفنيد للرواية الإثيوبية حول التنمية وتشييد سد النهضة والسدود الأخرى، والتأكيد على لا أخلاقية السياسات الإثيوبية «التي تنتهز الأوضاع السياسية الحالية» لتمرير أجندتها، فضلًا عن إعلان أن لمصر وسائل متنوعة للدفاع عن مصالحها ضد التهديدات الإثيوبية.
لكن الملفت في السياق، أن تصريحات إيتيفا ليست الأولى من نوعها نصًا ومضمونًا، وأن استجابة وسائل الإعلام، وبغض النظر عن حساسية الردود الرسمية وحساباتها، بدت بالغة السطحية على نحو يستحق التوقف أمام رؤيتها وطبيعتها الاختزالية.
كما تتجاهل التفسيرات النخبوية لأزمة سد النهضة وتهديدها المباشر لمستقبل مصر، في الغالب، جوانب جوهرية في الأزمة، مثل خطورة أدوار دول خليجية مختلفة، في مقدمتها الإمارات، في دعم النظام الإثيوبي ورؤاه «التنموية» كجزء من عملية «إعادة بناء الإقليم» وفق تصورات جديدة بالشراكة مع إسرائيل، وإرساء مبدأ تقسيم العمل الاقتصادي والسياسي والأمني بين دوله؛ والاطمئنان المبالغ فيه إلى مواقف الإدارة الأمريكية الحالية في الأزمة، باعتبارها داعمة للقاهرة.
وقبل كل ذلك، فيما يتصل بهذا المقام، الانسياق الشعبوي خلف خداع سياسي إثيوبي جديد لمصر، وتصديق رواية أن إثيوبيا تقايض تسوية مسألة المياه بالحصول على منفذ بحري لها، بشروط سيادية، على البحر الأحمر، فيما يمكن القول إن التدقيق في العقلية الإثيوبية ورؤيتها «الاستعلائية» يؤكد أن حصول إثيوبيا على مثل هذا المنفذ، وهي مسألة شبه محسومة، لكن بأدوات غربية وإقليمية خليجية وإسرائيلية في الأساس وفي توقيت يلائمها، لن يؤدي إلى التوصل لاتفاق قانوني ملزم بشأن مياه النيل، حتى في مرحلة ما بعد آبي أحمد رئيس الوزراء الإثيوبي الحالي.
ومن ثم، فإن السردية المصرية ربما تقع مجددًا، وبشكل فج، في فخ الخداع الإثيوبي، وهي مسألة على صانع القرار المصري الالتفات إليها بشكل حاسم، دون مراوغة هذه المرة، ودون الانسياق خلف تصورات وحسابات مضللة، سواء من الدائرة الداخلية أم من بعض دول الإقليم، التي أسهمت في فترات سابقة في تمرير السياسات الإثيوبية المناهضة لمصالح مصر.
مزيد من السدود في إثيوبيا
ثمة عامل سيكولوجي يحكم علاقات إثيوبيا بمصر، يمكن تلخيصه في الانتقال من مرحلة الانبهار بتجربة التحديث المصرية في مطلع القرن الماضي، مرورًا بتجاهل مصري ملفت لتطلعات إثيوبيا ومخاوفها، مثل المسألة الإريترية، إلى تبني فكرة ضرورة أن تكون مصر هي العدو التاريخي المكافئ لإثيوبيا في القارة، وما يترتب على هذا العامل من استدعاء التاريخ دومًا في هذه العلاقات، ومحاولة معاقبة مصر بأثر رجعي.
وربما نجحت أديس أبابا في العقد الأخير في التلاعب دبلوماسيًا في ملف سد النهضة عبر أدوات شتى، مثل إرسال رسائل متناقضة في توقيتات متزامنة، وتوظيف أدوار «الشركاء» لكل من مصر وإثيوبيا معًا، وشبكة نفوذ هؤلاء لصالح تمرير تهدئات ملغومة، فيما تواصل خططها بلا توقف، وصولًا إلى تشغيل السد دون أدنى اتفاق قانوني مع دولتي المصب “مصر والسودان”.
لكن الأمر الخطير في الجدل الحالي، الذي أعقب تصريحات وزير المياه الإثيوبي أن نفس ردود الفعل المصرية، غير الرسمية على الأقل، تتكرر بعشوائية متزايدة، مثل ما بشر به مسؤول سابق بصفقة كبرى بين مصر وإثيوبيا: ميناء على البحر الأحمر مقابل اتفاق بخصوص مياه النيل، بينما تحاشى خبراء ومسؤولون سابقون معنيون بالمسألة، تناول دور قوى عربية داعمة لإثيوبيا وتوجهاتها ضد مصر منذ عام 2018، ودورها المحتمل في تمويل المشروعات المستقبلية على النيل الأزرق، على نحو مباشر أو غير مباشر عبر دعم الموازنة الإثيوبية، كما درجت الإمارات في السنوات الأخيرة.
ويؤشر ذلك، في واقع الأمر، إلى محدودية خيارات صانع القرار في القاهرة، التي لم يمثل الخيار العسكري إحداها طوال مراحل الأزمة، خلافًا لما يردده إعلاميون مقربون من النظام في القاهرة.
وفي مقابل هذه الفوضى أو اختلاط الأوراق في القاهرة، لفتت تقارير إعلامية إثيوبية إلى أن تصريحات وزير المياه جاءت ردًا على تصريحات أخيرة لوزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، نهاية يوليو، بشأن مياه النيل التي تمثل مسألة وجودية بالنسبة لمصر، والذي شدد على رفض أي إجراءات أحادية تتخذها إثيوبيا بشأن سد النهضة، لما قد تسببه من تأثيرات على مصالح دولتي المصب، وأشار أيضًا خلالها إلى عدم تلقي مصر والسودان «حتى الآن أي دراسات تتعلق بمعدلات الأمان أو الآثار البيئية الخاصة بالسد الإثيوبي».
ومؤكدًا، أن إدارة الأنهار العابرة للحدود تخضع لقواعد واضحة في القانون الدولي، ولا يجوز اتخاذ قرارات منفردة بشأنها، وأن تشغيل السد بشكل أحادي لا يتوافق مع الأطر القانونية المنظمة لاستخدام الموارد المائية المشتركة، وأنها تسببت في مخاطر انعكست على دولتي المصب، وخاصة السودان. ورأت تلك التقارير الإثيوبية أن لأديس أبابا الحق الكامل في الاستفادة من مواردها المائية بغض النظر عن احتياجات دولتي المصب.
لكن الجديد في تصريحات هابتامو إيتيفا الأخيرة، والتي جاءت بعد أسبوعين فقط من تصريحات أخرى له، مضمونها استفادة مصر والسودان من «مبادرة التراث الأخضر» Green Legacy Initiative (GLI) الإثيوبية، التي تهدف إلى تحسينات ملموسة في إدارة الموارد المائية واستدامة السدود ورفع الإنتاجية الزراعية، أنها تأتي في مستهل فترة جديدة لرئاسة آبي أحمد لحكومة بلاده، وأن إيتيفا ربط خلالها مستقبل إثيوبيا بنهر أباي “الاسم المعروف للنيل الأزرق في إثيوبيا”، والبحر الأحمر على نحو لا يمكن الفكاك منه، وأنهما عمودا التنمية القومية والترابط الإقليمي، مؤكدًا وجوب فهمهما في سياق تاريخي واقتصادي وجيو سياسي أوسع.
فيما غفل المراقبون عن ملاحظته الخطيرة، أن إثيوبيا «قد مُنعت لعقود من التطوير والاستخدام الكاملين لنهر أباي وسط ضغوط سياسية خارجية»، في إشارة منه إلى ما يعتبره موقفًا مصريًا تاريخيًا من التنمية في إثيوبيا.
كما جاءت هذه التصريحات تكرارًا لتصريحات مشابهة في مارس 2026، دعت خلالها إثيوبيا الشركات الدولية للدخول في مناقصات لتشييد ثلاثة سدود على النيل الأزرق، على أن تقوم ببنائها في غضون سبعة أعوام، تنتهي في 2033، أي بعد نهاية فترة آبي أحمد الجديدة المقررة في 2030.
ومن هنا يمكن النظر إلى تصريحات وزير المياه الإثيوبي، على أنها حلقة جديدة في مواقف نظام آبي أحمد تجاه مصر، في توقيت دال لعدة اعتبارات.
أولًا، إحكام آبي أحمد قبضته على ورقة رابحة تمامًا، تعزز موقفه داخليًا في المقام الأول، وتكمل ما يتم طرحه من أفكار «تسليح أطراف إقليمية لمكونات في إثيوبيا» لتحقيق أهداف سياسية، وهي رواية تجد رواجًا كبيرًا في إثيوبيا.
الاعتبار الثاني، أن إثيوبيا تواصل مساعيها القوية لحشد دول حوض النيل لتبني مواقف تصادمية مع رؤى مصر والسودان في الحوض ومشاريع تنميته، كما تزامنت التصريحات مع اشتعال التوتر على الحدود الإثيوبية- السودانية، وعودة مجلس السيادة السوداني إلى العاصمة الخرطوم، والتقارب اللافت بين السعودية والسودان، على نحو قد يمثل تهديدًا لمحور إسرائيل- إثيوبيا- الإمارات في البحر الأحمر والقرن الإفريقي على المدى المتوسط على الأقل.
أسطورة الميناء مقابل المياه
بين ضجيج موسمي يستغرق أيامًا، ثم يهدأ، وتحليلات متسرعة، وأحيانًا موجهة بغرض تبريد الأزمة وتمرير الوقت توطئة لفرض أمر واقع جديد في علاقات إثيوبيا بمصر، هناك محاولة لاختزال الأزمة في مساعي أديس أبابا للحصول على منفذ بحري «بموافقة مصرية»، وهنا تضيع عدة حقائق لا يجب إغفالها.
الولايات المتحدة الأمريكية ترى في الأزمة الراهنة وفي موقف القاهرة الصعب فرصة ثمينة، لا يجب التضحية بها لإحكام قدرة واشنطن على ضبط تحركات القاهرة الإقليمية والدولية، دون أن تقدِم إدارة الرئيس دونالد ترامب، بشكل شبه مؤكد ووفق قراءة سلوكها في الفترة الأولى والثانية، على خوض محادثات جادة بغرض التوصل لاتفاق قانوني ملزم بشأن مياه النيل وإدارة وتشغيل سد النهضة.
كما أن واشنطن لا يمكنها التضحية بأي حال من الأحوال بوحدة إثيوبيا كركيزة أولى لسياساتها في القرن الإفريقي، ومن ثم، فإن سياسات آبي أحمد تظل في الحدود الآمنة التي تقبل بها واشنطن وتدعمها عبر قنوات مختلفة.
إضافة إلى أن قدرة مصر على حرمان إثيوبيا من منفذ بحري تظل محدودة ومرهونة بتنسيق القاهرة مع قوى إقليمية ذات اهتمام مشترك في المسألة، لا سيما السعودية وتركيا.
وفي مقابل ذلك، فإن وصول إثيوبيا إلى البحر الأحمر ليس مسألة اتفاق مع دولة واحدة أو كيان واحد، مثل إريتريا أو إقليم أرض الصومال أو السودان، بل إن أديس أبابا تأمل في تحقيق الوصول البحري عبر أكثر من منفذ، بحيث تؤمن لاقتصادها قدرات تجارية غير مسبوقة بالاقتراب من مضيق باب المندب ووسط حوض البحر الأحمر، عبر الوصول إلى ميناء عصب الإريتري وتحقيق موقع اقتصادي وعسكري بالغ الأهمية عند خليج عدن، إما عبر وجود منسق مع الإمارات وإسرائيل والولايات المتحدة في إقليم أرض الصومال، وإما عبر استئجار قاعدة في هذا الإقليم، وتوسع الصلاحيات الممنوحة لإثيوبيا في تمرير تجارتها عبر ميناء جيبوتي.
ومن ثم، فإن مساعي إثيوبيا تتجاوز «الوصول لنقطة بحرية واحدة» إلى تمتين استراتيجية اندماج إثيوبيا عبر أكثر من ميناء في حركة التجارة الإقليمية والدولية، ولعب دور وكيل أكبر لصالح أطراف مثل الإمارات وإسرائيل والهند في الولوج إلى إفريقيا.
ومن هنا يصعب تصور أن «فيتو» القاهرة هو العائق الأبرز أمام هذه الأطماع حتى الآن.
ويمكن تصور أن مساعي إثيوبيا الحالية لفرض سردية «الميناء مقابل المياه» تمثل مرحلة أعمق في رحلة خداع استراتيجي لمصر، وبدعم من قوى شريكة للقاهرة مثل الإمارات أو إسرائيل، لأن وصول أديس أبابا إلى منافذ بحرية بشروط سيادية في حوض البحر الأحمر لن يوقف بأي حال من الأحوال خطط بناء السدود الجديدة أو يدفع إثيوبيا للتوصل إلى اتفاق مع مصر بشأن حصتها التاريخية في مياه النيل.
بل سيكون السيناريو الأكثر ترجيحًا هو تقديم إثيوبيا حلولًا جزئية وقصيرة الأجل للمسألة، لا سيما أن القوى الداعمة لإثيوبيا، من بينها الولايات المتحدة الأمريكية، تعمل بكل قوة على إنتاج نظام إقليمي فرعي، تمثل القاهرة فيه ثقلًا اقتصاديًا، لكن دون روافع سياسية تقليدية في الساحتين الإقليمية والدولية.
ختامًا، تبدو خيارات مصر في مواجهة السياسات الإثيوبية في ملف مياه النيل محدودة للغاية. ومع استبعاد الخيار العسكري بشكل كامل تقريبًا، فإن التوصل إلى الخيار الأمثل قد يتطلب أولًا التعامل بواقعية مع الأطماع الإثيوبية التي لا حدود لها، وتفهم حدود الشراكات الإقليمية المختلفة وآثارها السلبية على مصالح مصر وأمنها القومي، وأيضًا إعادة التفكير في سيناريوهات الأزمة وسبل حلها جذريًا، وعدم الانسياق خلف تحليلات وتوصيات تتجاهل باستمرار الإشارة لأسباب الأزمة وأطرافها المختلفة، ربما لاعتبارات مصالح شخصية وتقديرات مختلفة لمواقف صناعة القرار في القاهرة.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "


