أخبار عاجلة

بالبلدي: جنوب السودان ونفطها.. ضغوط شديدة التركيب والتعقيد

بالبلدي: جنوب السودان ونفطها.. ضغوط شديدة التركيب والتعقيد
بالبلدي: جنوب
      السودان
      ونفطها..
      ضغوط
      شديدة
      التركيب
      والتعقيد

على ضوء الحرب المستعرة في السودان، تجد دولة جنوب السودان نفسها أمام ضغوط مركبة، تتجاوز بكثير مجرد التداعيات الأمنية والإنسانية لحرب تدور في دولة مجاورة. فجنوب السودان، الدولة المنهكة أصلاً بالصراعات السياسية والانقسامات الداخلية والأزمات الاقتصادية والإنسانية، تقع في منطقة شديدة الحساسية من القرن الإفريقي، ويتقاطع موقعها الجغرافي مع خطوط الصراع في القرن الإفريقي. وفي قلب هذه المعادلة يأتي النفط، الذي يمثل المورد الاقتصادي الأهم للسلطة السياسية في جوبا، والذي يعتمد وصوله إلى الأسواق العالمية بصورة شبه كاملة على البنية التحتية السودانية الممتدة من حقول الإنتاج في جنوب السودان إلى ميناء بشائر في بورتسودان.

وقد حولت الحرب السودانية هذا الاعتماد الاقتصادي إلى مصدر تهديد استراتيجي مستمر، فكلما تغيرت السيطرة العسكرية على المناطق الواقعة في غرب وجنوب كردفان، ازدادت المخاطر التي تحيط بإنتاج النفط الجنوب سوداني وخطوط نقله. وتكتسب سيطرة قوات الدعم السريع على أجزاء واسعة من غرب كردفان أهمية خاصة في هذا السياق، ليس فقط بسبب موقع المنطقة على الحدود مع جنوب السودان، وإنما لوجود مواقع ومنشآت نفطية وخطوط أنابيب مرتبطة بالنفط الجنوب سوداني.

وبذلك لم تعد الحكومة السودانية الطرف الوحيد القادر على التأثير في تدفق النفط من جنوب السودان، إذ أصبحت قوات الدعم السريع، بفعل سيطرتها على مناطق استراتيجية، تمتلك قدرة فعلية على التأثير في مورد يمثل شريان الحياة الاقتصادي لجوبا.

وهنا تتغير طبيعة العلاقة بين الحرب والنفط، فالنفط الجنوب سوداني لم يعد مجرد مورد يعبر الأراضي السودانية مقابل رسوم، وإنما أصبح ورقة نفوذ يمكن استخدامها في الصراع بين الخرطوم والدعم السريع، وفي الوقت نفسه أداة ضغط على حكومة جنوب السودان. فبالنسبة لجوبا، يمثل استمرار تدفق النفط مسألة بقاء للدولة والسلطة، بينما يمثل بالنسبة للحكومة السودانية مصدراً للإيرادات وأداة يمكن من خلالها التأثير على حكومة جنوب السودان، في حين تمنح السيطرة الميدانية للدعم السريع قدرة إضافية على فرض نفسه لاعباً في المعادلة النفطية.

كما أن أهمية النفط الجنوب سوداني لا تتوقف عند السودان وجنوب السودان. فمسار هذا النفط يكشف عن ارتباط الحرب بشبكة أوسع من المصالح التجارية والطاقة تمتد إلى الخليج، فجنوب السودان يعتمد على خط أنابيب تصدير واحد يمر عبر الأراضي السودانية إلى محطة بشائر على البحر الأحمر، ومنها تُشحن خامات جنوب السودان إلى الأسواق الخارجية.

وتشير تقارير إلى أن جزءاً كبيراً من هذه الشحنات كان يتجه إلى دولة الإمارات، ولا سيما إلى ميناء الفجيرة، الذي أصبح إحدى الوجهات المهمة للخام الجنوب سوداني.

وقد وصفت تقارير في أسواق السلع والطاقة الإمارات، بأنها المشتري الرئيسي للخام الثقيل من السودان وجنوب السودان، فيما أظهرت بيانات حركة الشحن أن جزءاً كبيراً من الخام الجنوب سوداني الذي يصل إلى بورتسودان يتجه بعد ذلك إلى الفجيرة.

كما أشارت تقارير أخرى إلى أن شركة “فيتول” كانت المشتري المنتظم الوحيد تقريباً للخام القادم من بورتسودان إلى الإمارات خلال فترة معينة، وأن جزءاً كبيراً من الخام الجنوب سوداني كان يُنقل إلى منشآتها في الفجيرة؛ لاستخدامه في إنتاج وقود السفن، قبل أن تقطع السودان علاقاته مع الإمارات.

وتكتسب هذه المعطيات أهمية أكبر عند النظر إلى حجم إنتاج جنوب السودان واعتماده شبه الكامل على هذا المسار. فقد كان إنتاجه يُقدر بنحو 149 ألف برميل يومياً في الفترة المشار إليها، بينما يعتمد تصديره على خط واحد يمر عبر السودان إلى بشائر.

وهذا يعني أن أي اضطراب في غرب كردفان أو جنوب كردفان أو في خطوط الأنابيب أو ميناء بورتسودان لا يمثل أزمة بين الخرطوم وجوبا فقط، وإنما يمكن أن ينعكس على سلسلة إمداد نفطية تمتد من حقول جنوب السودان عبر الأراضي السودانية إلى البحر الأحمر ثم إلى أسواق الخليج وآسيا.

وتزداد أهمية هذه المسألة عند ربطها بالترتيبات المالية الأوسع حول النفط الجنوب سوداني.

ففي مايو 2024، ظهرت تقارير عن قرب حصول جنوب السودان على قرض بقيمة نحو 13 مليار دولار من شركة مسجلة في الإمارات، على أن يكون القرض مضموناً بتسليم النفط الخام لمدة تصل إلى سبعة عشر عاماً.

وحتى مع عدم تحول هذا الترتيب بالضرورة إلى اتفاق نهائي، فإنه يكشف عن مستوى آخر من التشابك بين النفط الجنوب سوداني ورأس المال والشركات المرتبطة بالإمارات، ويؤكد أن النفط لم يعد مجرد مورد محلي لتمويل حكومة جوبا، وإنما أصبح جزءاً من شبكة مالية وتجارية عابرة للحدود.

تهديد يتجاوز الدولتين

وهنا تظهر طبقة جديدة من التحليل؛ فالحرب السودانية لا تهدد فقط قدرة جنوب السودان على إنتاج النفط، وإنما تهدد سلسلة القيمة التي تربط إنتاج النفط الجنوب سوداني بالبنية التحتية السودانية ومواني البحر الأحمر ومراكز التجارة والتكرير في الخليج. وبالتالي، فإن الصراع على غرب كردفان وهجليج وخطوط الأنابيب وميناء بورتسودان لا يمكن النظر إليه باعتباره صراعاً محلياً على الأرض فقط، بل باعتباره صراعاً على أحد المسارات الحيوية التي تربط نفط دولة جنوب السودان بالاقتصاد العالمي.

وهذا يفسر جزئياً لماذا أصبحت سلامة خطوط النفط ومواني التصدير مسألة ذات أهمية تتجاوز الخرطوم وجوبا.

فحين يتعرض ميناء بورتسودان أو خطوط الأنابيب للخطر، لا تتوقف الخسائر عند الحكومة السودانية أو الجنوب سودانية، بل تمتد إلى الشركات التي تتولى شراء الخام ونقله ومعالجته، وإلى المواني والمنشآت التي تستقبل هذه الشحنات.

وقد أظهرت اضطرابات العلاقات السودانية الإماراتية في عام 2025 كيف يمكن للخلافات السياسية أن تنتقل مباشرة إلى تجارة النفط، عندما أثرت القيود على حركة السفن والتصاريح البحرية في تدفقات الخام المتجهة من بورتسودان إلى الإمارات.

ومن هنا، يصبح النفط أحد أهم المفاتيح لفهم شبكة العلاقات المحيطة بالحرب السودانية.

فالدعم السريع يمتلك نفوذاً ميدانياً على مناطق مرتبطة بالمسار النفطي، والحكومة السودانية تملك أدوات التحكم الأساسية في خطوط النقل والبنية التحتية وميناء التصدير، وجنوب السودان يعتمد على الطرفين لضمان استمرار مورد الدولة، بينما توجد في الطرف الآخر من سلسلة التصدير أسواق ومراكز تجارية خليجية، وفي مقدمتها الفجيرة، تستقبل جزءاً مهماً من هذه الشحنات.

وفي هذا السياق، فإن أي تفاهم بين جوبا والخرطوم بشأن رسوم النفط أو أي ترتيبات مع الدعم السريع حول حماية المنشآت أو العبور لا يمكن فصله عن هذه الشبكة الأوسع. فالمفاوضات حول عوائد النفط ليست فقط خلافاً مالياً بين حكومتين، وإنما جزء من صراع على من يملك القدرة على التحكم في تدفق المورد ومن يحصل على القيمة الناتجة عنه، ومن يستطيع تعطيله أو حمايته.

وتزداد حساسية هذه المعادلة مع الحديث عن مطالب برفع ما تحصل عليه الحكومة السودانية من عوائد مرور النفط الجنوب سوداني إلى نحو عشرة دولارات للبرميل، بدلاً من ستة دولارات، بالتوازي مع الحديث عن أربعة دولارات للبرميل مرتبطة بترتيبات تستفيد منها قوات الدعم السريع. وبصرف النظر عن دقة هذه الأرقام والتفاصيل النهائية للترتيبات المالية، فإن ظهور مثل هذه المطالب يكشف عن تحول النفط من اتفاق اقتصادي بين دولتين إلى مورد أصبح مرتبطاً بموازين السيطرة العسكرية على الأرض.

وفي المقابل، فإن قوات الدعم السريع لا تحتاج بالضرورة إلى السيطرة الكاملة على قطاع النفط حتى تستفيد منه سياسياً.

يكفي أن تمتلك قدرة على تهديد المناطق النفطية أو خطوط الأنابيب أو طرق الحركة حتى تتحول إلى طرف يجب أخذه في الاعتبار عند صياغة أي ترتيبات تتعلق بالنفط الجنوب سوداني.

وهذا يمنحها نفوذاً إضافياً في مواجهة الخرطوم وجوبا معاً، ويجعل جنوب السودان أكثر اضطراراً إلى التعامل معها كحقيقة عسكرية على حدوده، حتى في حال عدم وجود اعتراف سياسي بها.

جنوب السودان في قلب الصراع الإقليمي

تزامنت هذه المعادلة مع توسع الحرب نحو جنوب السودان جغرافياً.

فمع استمرار قوات الدعم السريع والقوات المتحالفة معها في التمدد داخل أجزاء من كردفان والنيل الأزرق، وتبادل السيطرة مع الجيش السوداني على عدد من المناطق، لم تعد الحدود الجنوبية للسودان مجرد منطقة هامشية في الحرب. وفي النيل الأزرق، اكتسبت التطورات المرتبطة بالكرمك وقيسان والحدود الإثيوبية أهمية متزايدة، خصوصاً مع ما تردد عن دعم إثيوبي وفتح معسكرات مرتبطة بالقوى المتحالفة مع الدعم السريع.

وقد أدى التركيز الإعلامي على الدور الإثيوبي إلى إبراز الجبهة الشرقية بصورة أكبر، لكنه في الوقت نفسه حجب مساراً موازياً يتعلق بالدور، الذي يمكن أن تلعبه جنوب السودان في البنية اللوجستية للحرب.

فالمسألة لا تتعلق فقط بوجود قوات الدعم السريع على الحدود، وإنما بما إذا كانت الأراضي الجنوب سودانية قد أصبحت أو يمكن أن تصبح مساحة لحركة الإمداد وإعادة الانتشار وعلاج الجرحى ونقل الأفراد والمقاتلين.

وتوجد كذلك تقارير ومعلومات تتحدث عن مشاركة مجموعات من جنوب السودان إلى جانب قوات الدعم السريع، وهي مسألة، إذا تأكد اتساعها واستمرارها، تعني أن جنوب السودان لم يعد مجرد دولة متأثرة بالحرب، بل بدأ يتحول إلى جزء من جغرافياتها العسكرية والاجتماعية.

وفي هذه البيئة، تصبح علاقة جوبا بالدعم السريع شديدة التعقيد. فمن ناحية، تحتاج حكومة جنوب السودان إلى استمرار علاقتها مع الحكومة السودانية والحفاظ على إمكانية الوصول إلى مواني البحر الأحمر، ومن ناحية أخرى تجد نفسها أمام قوة عسكرية تسيطر على مساحات واسعة من المناطق المتاخمة لحدودها، وتؤثر بصورة مباشرة على أمن النفط.

لذلك، قد تنظر جوبا إلى التواصل مع الدعم السريع باعتباره ضرورة لإدارة المخاطر أكثر منه تحالفاً سياسياً معلناً.

ومن هنا، يمكن تفسير ما يثار حول تقديم تسهيلات لعلاج جرحى الدعم السريع أو السماح بحركة عناصره أو استخدام بعض المناطق في عمليات الإمداد والعبور، باعتبارها جزءاً من سياسة التعامل مع الأمر الواقع.

معضلة

لكن هذه السياسة تضع جوبا أمام معضلة صعبة مع الحكومة السودانية. فالخرطوم تنظر إلى أي استخدام للأراضي الجنوب سودانية لصالح الدعم السريع باعتباره تهديداً مباشراً لأمنها العسكري، وتسعى في الوقت نفسه إلى استعادة السيطرة على المناطق النفطية وقطع مسارات الإمداد القادمة من الجنوب.

وتمتلك الحكومة السودانية بالفعل أدوات ضغط كبيرة على جنوب السودان، أهمها قدرتها على التأثير في صادرات النفط، إضافة إلى قدرتها على التحكم في جزء أساسي من البنية التحتية التي يعتمد عليها اقتصاد جوبا.

غير أن قدرة الخرطوم على استخدام هذه الأوراق لا تقتصر على النفط.

فالحكومة السودانية تدرك أيضاً هشاشة النظام السياسي في جنوب السودان وطبيعة التوازنات بين الفصائل والقوى المتنافسة على السلطة.

وهذا يفتح أمامها مجالاً آخر للتأثير، يتمثل في استخدام علاقاتها مع مراكز القوة داخل جنوب السودان أو توظيف المخاوف الأمنية والسياسية لجوبا لدفعها إلى تبني موقف أكثر عدائية تجاه الدعم السريع.

وهنا يتحول الصراع السوداني إلى عامل مؤثر في السياسة الداخلية الجنوب سودانية نفسها.

فالسلطة في جوبا ليست كتلة سياسية متجانسة، وإنما تقوم على توازن هش بين مراكز وقوى سياسية وعسكرية مختلفة، في مقدمتها الرئيس سلفا كير ونائبه رياك مشار. ومع استمرار التوتر حول تنفيذ اتفاق السلام والترتيبات الانتقالية ومستقبل تقاسم السلطة، فإن أي تغير في البيئة الإقليمية يمكن أن ينعكس سريعاً على هذا التوازن.

ولذلك، فإن موقف جنوب السودان من الحرب السودانية لا يمكن فصله عن الصراع الداخلي على السلطة؛ إذ يمكن لكل طرف أن يرى في علاقته بالسودان أو الدعم السريع أو أوغندا أو كينيا ورقة لتعزيز موقعه في الداخل.

التقاطعات الإقليمية

ومن هنا تبرز أهمية الدور الأوغندي. فأوغندا ليست مجرد دولة مجاورة، بل تمتلك تاريخاً مباشراً في دعم حكومة سلفا كير، فقد تدخلت عسكرياً، وفق تقارير إلى جانب كير خلال الحرب، التي اندلعت بينه وبين رياك مشار، وأسهم تدخلها في منع سقوط الحكومة في مراحل حاسمة من الصراع. ولذلك فإن استمرار الدعم الأوغندي للسلطة الحالية يمثل عاملاً مهماً في حسابات جوبا، كما يمنح كمبالا قدرة على التأثير في البيئة الأمنية المحيطة بجنوب السودان.


وتتجاوز أهمية ذلك حدود العلاقة الثنائية بين أوغندا وجوبا، لأن أوغندا يمكن أن تؤثر بصورة غير مباشرة على البيئة التي يتحرك فيها الدعم السريع.

فإذا كانت جوبا تمثل بالنسبة للدعم السريع أحد المسارات المحتملة للحركة والإمداد، فإن النفوذ الأوغندي يمثل في المقابل عاملاً يمكن أن يحد من هذه الحركة أو يسمح بها وفقاً لتوازنات معينة.

ولذلك فإن موقف أوغندا من الحرب السودانية لا ينبغي قراءته فقط باعتباره دعماً لحكومة جنوب السودان، وإنما باعتباره جزءاً من صراع أوسع على طرق الحركة والنفوذ في المنطقة الحدودية.

وتظهر في هذا السياق مؤشرات أحدث على أن ارتباط جنوب السودان بالممرات الإقليمية لا يجري فقط عبر مشاريع الطرق والمواني وخطوط الأنابيب، وإنما يمتد إلى البنية اللوجستية والرقمية التي تتحكم في حركة التجارة عبر هذه الممرات.

فقد أفادت تقارير حديثة، بأن شركة “كابيتال باي” الجنوب سودانية، التي يُقال إنها قريبة من النظام في جوبا، حصلت على مشروع كبير في تنزانيا يتعلق بتوثيق ورقمنة أنشطة التخليص الجمركي والشحن والتجارة الخارجية.

وقد أثارت الصفقة اعتراضات من بعض الفاعلين المحليين في قطاع الخدمات اللوجستية، ما يضيف بعداً جديداً إلى حضور المصالح المرتبطة بجنوب السودان داخل البنية التجارية والتنظيمية في شرق إفريقيا.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية تتجاوز طبيعتها التجارية المباشرة، لأن أنظمة الجمارك والتخليص وتتبع الشحنات تمثل جزءاً من البنية التشغيلية للممرات التجارية نفسها.

كما أن دخول شركة مرتبطة بجنوب السودان إلى هذه البنية في تنزانيا يضيف مؤشراً إلى اتساع انخراط جوبا وشبكاتها التجارية في الممرات المتجهة نحو المحيط الهندي.

وتزداد دلالة ذلك بالنظر إلى أن تنزانيا تمثل جزءاً من شبكة المواني والمسارات، التي يمكن أن توفر لجنوب السودان، على المدى الطويل، بدائل عن الاعتماد الكامل على المسار السوداني.

وبذلك، لا تبدو المنافسة على الممرات محصورة في الطرق وخطوط الأنابيب والمواني، وإنما تمتد أيضاً إلى من يدير الجمارك والمدفوعات وبيانات التجارة وتتبع البضائع والخدمات اللوجستية التي تجعل الممر قابلاً للعمل.

وإذا وضعت هذه التطورات إلى جانب ممرات كينيا ومشروعات لامو ومحور أوغندا– تنزانيا، فإنها تشير إلى عملية أوسع لإعادة دمج جنوب السودان في شبكات شرق إفريقيا، بما يمكن أن يقلل تدريجياً من اقتصار علاقاته التجارية والاستراتيجية على المسار السوداني وبورتسودان.

شبكة من الضغوط

وبذلك تصبح جنوب السودان محاطة بشبكة من الضغوط المتداخلة، من الحرب السودانية في الشمال، والتوتر الإثيوبي في الشرق، والنفوذ الأوغندي والكيني في الجنوب والشرق، إلى شبكة المصالح التجارية والنفطية الممتدة من حقول جنوب السودان عبر السودان إلى البحر الأحمر ثم إلى الخليج وآسيا.

وهنا، تظهر الفكرة الأكثر أهمية في هذه المعادلة: الحرب السودانية لا تضغط على جنوب السودان من الخارج فقط، وإنما بدأت تعيد تشكيل التوازنات داخله.

فكل طرف من أطراف الصراع السوداني لديه مصلحة في التأثير على موقف جوبا، وكل قوة إقليمية لديها حساباتها الخاصة بشأن مستقبل السلطة الجنوب سودانية، بينما تستخدم حكومة جنوب السودان النفط والحدود والعلاقات الإقليمية للمحافظة على بقائها في بيئة شديدة الهشاشة.

وبذلك، يصبح القرار السياسي في جوبا نفسه موضع تنافس غير مباشر بين أجندات متعددة، لكن استمرار هذا التوازن يصبح أكثر صعوبة كلما طال أمد الحرب السودانية.

فإذا توسعت سيطرة الدعم السريع جنوباً وشرقاً، ازدادت حاجته إلى العمق الحدودي، وإذا نجح الجيش السوداني في استعادة مناطق النفط وخطوط الإمداد، فقد يحاول الضغط على جوبا لتقليص علاقتها بالدعم السريع، وإذا تصاعد الصراع الداخلي في جنوب السودان، فقد تصبح هذه الضغوط الخارجية أدوات تستخدمها الأطراف المحلية ضد بعضها البعض.

وعند هذه النقطة يصبح الخطر الحقيقي ليس انتقال الحرب السودانية إلى جنوب السودان بصورة مباشرة، وإنما اندماج الصراعين تدريجياً. فقد تتحول الأراضي الجنوب سودانية إلى ممرات للإمداد، والنفط إلى وسيلة تمويل وتفاوض، والحدود إلى منطقة عمليات، والعلاقات مع أوغندا وكينيا وإثيوبيا إلى أدوات في الصراع الداخلي، بينما تتحول الانقسامات السياسية في جوبا إلى مدخل جديد للقوى السودانية والإقليمية للتأثير في القرار الجنوب سوداني.

وهذا السيناريو قد يؤدي إلى تقويض السلطة الحالية في جنوب السودان إذا فشلت في موازنة الضغوط المتزايدة. فالدولة التي تعتمد على النفط الذي يمر عبر دولة في حالة حرب، وتواجه صراعاً سياسياً داخلياً هشاً، وتعتمد أمنياً على دولة مجاورة، وتقع حدودها الشمالية أمام قوة مسلحة كبيرة، وتتشابك صادراتها النفطية مع مراكز تجارية ومالية إقليمية، تصبح معرضة بصورة متزايدة لفقدان قدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة.

إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"

المصدر :" masr360 "

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق بالبلدي: بسبب حرب إيران.. واشنطن تلغي مناورات عسكرية مع سول
التالى بالبلدي: الأفوكادو يحمي القلب.. فائدة جديدة لمرضى السمنة

 
محطة التقنية مصر التقنية دليل بالبلدي مجو تكنوستيشن أضف موقعك
● مباشر
...× إغلاق
إعلان
25
إعلان متجاوب
  • adblock تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ??

أضف موقعك الآن عندنا غير
ضع موقعك هنا وإنت الكسبان اضف موقعك
???? بالبلدي✨بالبلدي???? أضف موقعك الآن
???? أضف هنا ????✨ ⚡✨ ⚡✨ ⚡ أضف موقعك ✨???? هنا⛈️✊⚽⌨️⏳❌✅❎☑️✔️☪️®️©️™️بالبلدي???? مجلة بالبلدي???? أضف هنا???? إضغط هنا???? أضف هنا⁦(⁠^⁠^⁠)⁩???? أضف موقعك هنا
إعلان
إعلان