المرة الأولى التي وقعت فيها عيناي على اسم “د. ناجح إبراهيم” كنت في الصف الثاني الإعدادي. أطلّ عليّ وجهه من صدر صحيفة “الجمهورية” المفرودة في يد مدرس التربية الرياضية، وسط من كانت قوات الأمن تطاردهم بعد أحداث مديرية أمن أسيوط، التي استشهد فيها أكثر من سبعين شخصاً. قال لنا المدرس، وهو يشير إلى وجوه تكسو ذقونها لحى طويلة، ويسكن عيونها غضب:
ـ لن يفلت الإرهابيون بفعلتهم القبيحة، كان وقتها الصعيد في اضطراب، بعد اغتيال السادات، وأعضاء “الجماعة الإسلامية” ومعهم أمثالهم من “تنظيم الجهاد” قد تفرقوا مختبئين، بعد أن فشلت خطتهم في القفز على السلطة.
أطلق المدرس عبارة لا تزال محفورة في رأسي:
ـ لا يعرف هؤلاء السذج، المغرر بهم، أن الدولة قوية جداً، وأنهم بأفعالهم هذه يسيئون إلى الإسلام الذي يزعمون نصرته.
وقتها كان هؤلاء الفتية يحسبون أنفسهم من المجاهدين الأقحاح، الذين يضحون في سبيل رفعة الإسلام ونصرته في وجه “العلمانية” و”الطاغوت” و”وكلاء الاستعمار”، ولم يكن أي منهم قد اختبر جيداً موقف “التيار الاجتماعي المصري الرئيسي” من أفكاره وتدابيره، إنما ظن أنها شيء “مقدس” غير قابل للمناقشة ولا المراجعة.
قُبض على ناجح ومن معه، وسيقوا إلى محاكمة انتهت بسجن طويل، وتوارت أخبارهم، ثم راحت تظهر من جديد مع موجة عنف مسلح، اندلعت عام 1988 وانتهت عام 1997، تخللها حوار رعته مباحث أمن الدولة مع هؤلاء بقيادة اللواء أحمد رأفت، كي يرجعوا عن أفكار خاطئة، تعشش في رؤوسهم، وشاركت فيه شخصيات دينية بارزة على رأسها الشيخ محمد متولي الشعراوي، والشيخ محمد الغزالي ووزير الأوقاف، وباركها مفكرون إسلاميون مثل محمد سليم العوا، ومحمد عمارة وغيرهم.
في هذه الأيام البعيدة، كنت على موعد مع كتاب شارك ناجح إبراهيم في تأليفه هو “ميثاق العمل الإسلامي”، الذي حمل أيديولوجية “الجماعة الإسلامية” وراجعه وأقره أميرها د. عمر عبد الرحمن.
كانت الجماعة قد عادت إلى نشاطها سراً، قبل أن يشتد ساعدها، لتدخل في منازلة دموية جديدة، على إثرها تحولت صفة أتباعها على ألسنة عموم الناس من “الجماعة السُنيّة” إلى “التنظيم الإرهابي”، ثم تغير المصطلح عند نخبة المفكرين إلى “المتراجعين” بعد أن انتهى الحوار، الذي استخدمت فيه أساليب الإقناع والمساومة، إلى “مصالحة”، حيث قام على إثرها كرم زهدي وناجح إبراهيم ومن معهما، بقبول “مبادرة وقف العنف” فأصدروا عدة كتيبات، حملت تصورهم الفكري الجديد، وكانت بالنسبة لي موضع فحص ودرس بعد أن صرت باحثاً في “الحركة الإسلامية” بأحد مراكز الدراسات، وكان من بين ما هو مطلوب مني، أن أمعن النظر في مضمونها؛ لأحكم عما إذا كانت هذه الكتيبات تحمل تراجعاً تكتيكياً، أم تمثل “مراجعة حقيقية” لتصورات الماضي، وتدابيره العنيفة.
خرج ناجح من السجن، ليشرف على منبر إعلامي إلكتروني، يحمل اسم “الجماعة الإسلامية”، بدا وقتها لنا معبراً عن إدراك مختلف من قادتها لطبيعة الحكم، وقوة السلطة السياسية، وتحكم مؤسسات الدولة في إدارة الأمر حتى لو شابها ترهل أو فساد أو تحجر، وفهم لمنظومة القيم التي تعشش في المجتمع وتحكم تصوراته وتصرفاته، وكذلك المشكلات التي تواجه النظام السياسي، وضرورة تفهمها بعيداً عن الاتهامات الجاهزة بالتكفير أو الخيانة أو التبعية المفرطة.
ذات يوم جاءني اتصال هاتفي من الصحفي “سمير العركي”، وأبلغني أنه يريد إجراء حوار مطول معي للنشر في الموقع الإلكتروني لـ “الجماعة الإسلامية”. ضحكت، وسألته:
ـ وهل ينشر موقعكم ما أقوله على اختلافي معكم؟ رد على الفور:
ـ كلفني د. ناجح إبراهيم به، ووعد بنشر كل حرف تنطقه.
نُشر الحوار كاملاً بالفعل، وهاتفت د. ناجح لأشكره، وأنا سعيد بانفتاح هذه الجماعة على آراء المختلفين معها، في المقاربات الفكرية والأساليب المتبعة في النظر إلى ما ينهض بالمجتمع، ويقيم شؤون السياسة على الصواب، أو ما نظنه كذلك، فعرفت منه أنه قد خاض نقاشاً طويلاً مع “إخوانه” المشرفين على الموقع؛ كي يقنعهم بمحاورتي أولاً، ثم نشر ما ذكرته ثانياً، وتحمل ردود الأفعال عليه ثالثاً.
أدركت وقتها أن قادة الجماعة موزعون على من راجع أفكاره بشكل عميق، وصار مؤمناً برؤية جديدة، لن يعدل عنها، وهناك من تراجعوا مؤقتاً، كمساومة أو حيلة تخرجهم من غياهب السجون، دون أن تنزعهم من سجن أفكارهم التقليدية، التي أورثت البلاد وأورثتهم متاعب كان الجميع في غنى عنها.
قابلت د. ناجح بعدها مصادفة في ندوة نظمتها إحدى مؤسسات المجتمع المدني، ودار بيننا حوار طويل، حول التراجع المؤقت والمراجعة الحاسمة، وتركته يتحدث باستفاضة، بلهجته الصعيدية التي لم يبرحها، وبدا في حديثه شيء من اعتذار، فآمنت أن الرجل قد تغير فعلاً، لا سيما أنني كنت أعرف من خلال متابعتي لملف “الجماعة الإسلامية”، أنه ظل صابراً صامداً في سجنه، يتصرف طوال الوقت باعتداد، ولا يقبل بأي دنية، ويدافع عن نفسه ورفاق سجنه، وأنه قد لعب دوراً كبيراً، كرجل مسموع الكلمة لمعرفته الدينية وحجته، في دفع دفة الحوار مع السلطة إلى النجاح، كما كان فيما سبق يقدم للسجناء من التأويلات والتصورات ما يجعلهم يتمسكون بما في رؤوسهم، ويستقوون على وحشة السجن، وتبدد الحلم.
جاءت ثورة يناير 2011 لتختبر الهمم والذمم، الأفكار والتصرفات والضمائر، وزهد الرجال أو أطماعهم، وانحيازهم إلى الصالح العام أو المصلحة الذاتية، لما يطلبه الوطن وما تريده الجماعة.
كانت الثورة نقطة اختبار مهمة؛ لمعرفة من كانت مراجعته خدعة، ومن كانت مراجعته وعداً صادقاً، فرأينا بعض قادة الجماعة يعودون إلى سابق أفكارهم، ويطرحون من جديد العنف سبيلاً للتغيير، دون أن يتعلموا الدرس جيداً من الشعب الذي نال بالحناجر، والقبضات الفارغة التي تدق الهواء في شوارع الغضب، ما لم تنله التنظيمات الإسلامية بالسلاح والاستعلاء على المجتمع، وتكفير السلطة وتخوينها.
أتذكر أن أحد هؤلاء القادة، وكان ممن قضوا في السجن سنوات طويلة، قد أمسك بيدي أثناء أيام الثورة، وطلب مني أن نجلس سوياً على مقهى بشارع شامبليون قرب ميدان التحرير، وعرفني بنفسه، ثم قال ما لم أنسه:
ـ أخطأنا بحمل السلاح في وجه الدولة، وما يجري الآن يجعلني نادماً على عمر أضعته بالسير كل هذه السنين في الطريق الخاطئ.
كان كرم زهدي، رحمة الله عليه، وناجح إبراهيم، على رأس من ثبت أنهم قد تغيروا فعلاً، طووا صفحة العنف والدم، وآمنوا بالسلام والسكينة، وإن راموا تغييراً فيكون مع الناس، دون افتئات عليهم، وبالوسائل المشروعة دون اعتبارها من قبيل الضلالة والفسوق والمروق من الملة، وبان للناس أيضاً أن الرجلين قد صارا من الزاهدين المتعففين.
ففي وقت لاحت فيه الغنائم مع اقتناص التيار السياسي الإسلامي لمختلف أركان السلطة، الرئاسة والبرلمان بغرفتيه، وجد ناجح إبراهيم، على النقيض من كثيرين من رفاق السلاح والسجن، أن الوقت قد حان لانسحابه، اعتراضاً على عودة بعض رفاقه إلى سابق عهدهم، متنكرين لـ “مبادرة وقف العنف”، فقدم استقالته هو وكرم زهدي من الجماعة الإسلامية، ولم يتساوق مع الدعاية الجوفاء التي تبناها الحزب الذي نبت من أجنحتها وأسمته “البناء والتنمية”.
(نكمل الأسبوع المقبل إن شاء الله تعالى)
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "


