لم تعد المساعدات الأمريكية لإسرائيل مجرد أداة تستخدمها الإدارات المتعاقبة في واشنطن للتأثير على القرارات السياسية والعسكرية للحكومات الإسرائيلية، بل تحولت إلى قضية خلافية داخل الولايات المتحدة، مع تصاعد المطالب بمراجعة حجم الدعم المالي والعسكري المقدم لتل أبيب. وبينما سبق لرؤساء أمريكيين استخدام المساعدات للضغط على إسرائيل بشأن الانسحاب من الأراضي المحتلة أو وقف الاستيطان، يفتح الرئيس دونالد ترامب الباب أمام مرحلة جديدة، تضع مستقبل المساعدات الأمريكية لإسرائيل في قلب الحسابات الحزبية والانتخابية، خاصة بعد التحولات التي أفرزتها انتخابات التجديد النصفي وفقدان الجمهوريين السيطرة على الكونجرس.
أيزنهاور وفورد.. المساعدات الأمريكية سلاح للضغط على إسرائيل
تمتد جذور استخدام المساعدات الأمريكية لإسرائيل كورقة ضغط إلى عام 1956، عندما واجه الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور تداعيات العدوان الثلاثي على مصر، ورفض استمرار الاحتلال الإسرائيلي لسيناء وقطاع غزة.
ولم تكتف واشنطن آنذاك بالضغوط الدبلوماسية، بل لوحت بفرض عقوبات مالية واقتصادية على إسرائيل لدفعها إلى الانسحاب، وهو ما تحقق بالفعل عام 1957.
وتجددت هذه السياسة عام 1975، خلال إدارة الرئيس جيرالد فورد، عندما أعادت واشنطن تقييم علاقاتها مع تل أبيب بسبب الخلافات المتعلقة بمفاوضات الانسحاب الإسرائيلي من سيناء، واتخذت الإدارة الأمريكية خطوات انعكست على قرارات توريد الأسلحة.
وتوضح هذه المحطات التاريخية أن المساعدات الأمريكية لإسرائيل لم تكن دائمًا بعيدة عن الخلافات السياسية بين الجانبين، بل مثلت إحدى الأدوات التي استخدمتها الإدارات الأمريكية للتأثير في توجهات الحكومة الإسرائيلية.
ريجان وبوش الأب وبايدن.. تعليق الأسلحة والضغوط الاقتصادية
واصل رؤساء أمريكيون استخدام أدوات مختلفة لتقييد الدعم العسكري لإسرائيل، ففي عام 1981 قرر الرئيس رونالد ريجان تعليق تسليم طائرات مقاتلة من طراز إف-16، عقب الغارة الإسرائيلية على المفاعل النووي العراقي.
وفي عام 1982، عادت الخلافات إلى الواجهة مع تعليق شحنة من القنابل العنقودية، على خلفية العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان.
أما الرئيس جورج بوش الأب، فلجأ عام 1991 إلى استخدام الضمانات المالية وسيلة للضغط على الحكومة الإسرائيلية، بعدما رفض الاستجابة الفورية لطلبها الحصول على ضمانات قروض بقيمة 10 مليارات دولار، بسبب الخلاف حول استمرار الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وفي سياق أكثر حداثة، قرر الرئيس جو بايدن عام 2024 تعليق شحنة من القنابل الثقيلة إلى إسرائيل، على خلفية مخاوف الإدارة الأمريكية من استخدامها خلال العمليات العسكرية في مدينة رفح بقطاع غزة.
وتكشف هذه الوقائع أن مراجعة المساعدات الأمريكية لإسرائيل أو تعليق بعض شحنات الأسلحة لم ترتبط بحزب سياسي واحد، وإنما اختلفت دوافعها باختلاف الظروف السياسية والعسكرية، دون أن تؤدي بالضرورة إلى إنهاء التحالف الاستراتيجي بين البلدين.
ترامب يفتح ملف المساعدات الأمريكية لإسرائيل وسط الحسابات الانتخابية
تكتسب تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن إنهاء المساعدات العسكرية السنوية المقدمة لإسرائيل أهمية خاصة، لأنها تتجاوز نمط الضغوط التقليدي الذي اتبعته الإدارات السابقة.
وتحدث ترامب عن إمكانية وقف المساعدات التي تبلغ نحو 3.8 مليار دولار سنويًا، مشيرًا إلى أن إسرائيل أصبحت قادرة على تحمل تكاليف مشترياتها العسكرية دون الاعتماد على التمويل الأمريكي.
وتأتي هذه التصريحات في توقيت يشهد تصاعد الجدل داخل الولايات المتحدة بشأن حجم الإنفاق الخارجي، ومدى جدوى استمرار تقديم الدعم العسكري لإسرائيل، خاصة في ظل الحرب على غزة والتوترات المتزايدة في المنطقة.
كما تضع انتخابات التجديد النصفي مستقبل المساعدات الأمريكية لإسرائيل أمام حسابات سياسية جديدة، مع تغير موازين القوى داخل الكونجرس، واتساع النقاش بشأن أولويات الإنفاق الأمريكي والعلاقة مع الحلفاء.
وبذلك، لم يعد النقاش مقتصرًا على مدى استجابة إسرائيل للضغوط الأمريكية، بل امتد إلى تساؤلات داخلية بشأن أسباب استمرار التمويل وحجم الفوائد التي تحققها واشنطن من ورائه.
هل تتجه واشنطن لإنهاء التمويل العسكري المباشر لإسرائيل؟
رغم تصريحات ترامب، فإن وقف المساعدات الأمريكية لإسرائيل لا يعني بالضرورة انتهاء التعاون العسكري بين البلدين، إذ تحكم العلاقة اتفاقيات وتفاهمات استراتيجية ممتدة، من بينها مذكرة التفاهم الموقعة عام 2016، والتي تنظم تقديم مساعدات بقيمة 38 مليار دولار خلال الفترة من 2019 إلى 2028.
وتتضمن المذكرة 33 مليار دولار تمويلًا عسكريًا و5 مليارات دولار لبرامج الدفاع الصاروخي، مع بقاء الاعتمادات السنوية خاضعة للإجراءات والقرارات المتعلقة بالميزانية داخل الكونجرس.
ومن ثم، فإن أي تحول في سياسة التمويل يتطلب التعامل مع الالتزامات القائمة والإجراءات التشريعية الأمريكية، ولا يعني أن تصريحات الرئيس وحدها كافية لإنهاء جميع أوجه الدعم.
وقد تتجه العلاقة مستقبلًا إلى نموذج مختلف يعتمد بصورة أكبر على شراء الأسلحة والتعاون في الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا العسكرية، بدلًا من الاعتماد الكامل على المنح المباشرة.
الكونجرس يحدد مستقبل المساعدات الأمريكية لإسرائيل
يمثل الكونجرس أحد أبرز العوامل المؤثرة في مستقبل المساعدات الأمريكية لإسرائيل، خاصة أن إقرار التمويلات العسكرية السنوية يرتبط بالاعتمادات التشريعية، وليس بالقرارات الرئاسية وحدها.
كما أن تغير الأغلبية داخل مجلسي الكونجرس لا يعني بالضرورة وجود موقف ديمقراطي موحد بشأن تقليص الدعم، في ظل استمرار تباين المواقف داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي تجاه العلاقة مع إسرائيل.
وتكشف المقارنة بين مواقف أيزنهاور وفورد وريجان وبوش الأب وبايدن وترامب عن تحول مهم في طبيعة الجدل حول المساعدات الأمريكية لإسرائيل؛ فبعدما كانت الأموال والأسلحة وسيلة للضغط على الحكومة الإسرائيلية لتغيير سياساتها، أصبحت المساعدات نفسها قضية خلافية تتعلق بأولويات الإنفاق ومستقبل التحالفات الأمريكية.
وهكذا، لم يعد السؤال المطروح في واشنطن يقتصر على كيفية استخدام المساعدات للتأثير على إسرائيل، بل أصبح يتعلق بمدى استمرار هذا الدعم بصيغته الحالية، وما إذا كانت الحسابات الانتخابية والسياسية والاقتصادية ستدفع الولايات المتحدة إلى إعادة صياغة علاقتها العسكرية مع تل أبيب.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" النبأ "





